أنياب زهرة
بقلم الدكتورة/ نجلاء نصير
في عمق الليل، حين خمدت الأنفاس في دار تغلفها الهموم، تسللت “زهرة” بخفة حزنها، تحمل على جسدها ملابس العزلة وعلى قلبها كلمات ما زالت تتردد:
“لم تُخلق زهرة مثلكِ لتدفن في قرية”
لم يكن في القرية من يصدق أن زهرة، تلك الفتاة النحيلة التي تمشي متطأطئة الرأس وتُخفي ابتسامتها خلف أطراف الملس، تملك أنيابًا. أنيابًا لا تُرى، لكنها موجودة… غرستها في الحياة يوم قررت ألا تُساق إلى المصير، بل أن تصنعه بيديها. لم تكن سوى فتاة خُدعت بكلمات تشبه الشعر، واغتُصبت أحلامها على سرير من الطين. لكنها حين اشتد سواد الليل، خرجت من الظل، لا تبحث عن فارس، بل عن مدينةٍ تنبت فيها من جديد، بشراسة الزهرة حين يهددها الحذاء.
ركضت نحو محطة القطار، تتعثر في الملس الذي أراد لها أن تتخلص منه، كما أراد لها أن تتخلص من ذاكرتها الريفية.
“هذا الجمال خُلق ليبث نوره للعالم… هل رأيتِ ملكة جمال ترتدي ملسًا؟”
نزعت الملس كأنها تنزع جلدًا لا ينتمي إليها، فسقطت في الطين، ليلة باردة ماطرة، شب البرد في عظامها. استقلت القطار نحو القاهرة، تحاول أن تسبق ماضيها بمحطة.
من نافذة المقعد الخشبي، تلاشت بيوت الطين في عينيها، وكلما اقتربت من العاصمة، ترنّحت أحلامها على وقع السكة. هناك، في زحام المحطة، كانت وجوه الأحلام مشوشة، يرتدون الوجع ويتمنطقون الأمل.
لكن ذاكرة “زهرة” لم تترك يدها؛ زوجة الأب، الغيرة، فأسُ أبي، وكتبُ المدرسة تحترق في الفرن، ثم قبر الأم الذي توسلت إليه أن يأخذها… ثم جدتها، درعها وسندها، التي قالت بدموعها:
“أهكذا تشتاقين للموت وأنا على قيد الحياة؟”
ومضت الحياة بها، تتكئ على الأرض التي ورثتها، تزرع منها قوتها وتعليمها، حتى سعى العمدة لاغتصابها منها بثوب زواج مغشوش.
في ذلك المساء، طرق الباب، ونبرته لزجة:
“أنا أطلبك للزواج… كتبتُ الكتاب ولم يبقَ سوى توقيعك”
تلبّستها الرجفة، لكن النور اتقد في يديها. تناولت السكين، غرسته في جشعه، ثم فرت، تركض من ماضيها نحو قطار جديد… علّه يأخذها إلى حياة تستحقها زهرة.
