انتشال بقايا فنار الإسكندرية الغارق
بقلم الأستاذة/ يسرية الغندور- كبير باحثين بدرجة مدير عام- وزارة السياحة و الآثار- مصر
قمتُ بسرد ما يخص مدينتنا الجميلة الإسكندرية من قبل، في جهدٍ متواضع لا يوفي الإسكندرية حقها كاملًا. ولكن، كلما نغوص في تاريخها، أجد كل ما هو جديد، وسوف أعرضه عليكم أحبائي فورًا. وسأعيد عليكم الحديث مرة أخرى، لأذكّركم بأنه عندما بُنيت الإسكندرية عام ٣٣١ قبل الميلاد، قام دينوقراطيس، المهندس المعماري ذو الأصل الرودسي، بوضع تصميمها. وبعد أن نمت المدينة، حافظ البطالمة على نظامها واستكملوا بناءها، كما أنشأوا منارة الإسكندرية، إحدى عجائب الدنيا السبع، وهو موضوع حلقتنا اليوم.
وفي ٢١ يوليو عام ٣٦٥ ميلاديًا، دُمِّرت الإسكندرية بسبب زلزال كريت.
وفي عام ١٩٩٠، كما ذكرتُ من قبل، كان من حسن حظي أن عملتُ مع معهد الدراسات الفرنسية، بحضور الدكتور جان إيف أمبرير، وكان من ضمن اهتماماته العمل في أعماق البحر المتوسط حول قلعة قايتباي، للكشف عن بقايا فنار الإسكندرية. وبالفعل، في عام ١٩٩٤، أجرى مركز الدراسات السكندرية أبحاثًا على موقع مغمور بالمياه شرق قلعة قايتباي.
جاء هذا التدخل بعد إلقاء أطنان من الكتل الأسمنتية فوق الآثار عند سفح الحصن من قبل هيئة حماية الشواطئ المصرية، بالرغم من وجود آثار مغمورة منذ حوالي قرنين، وذلك لحماية الحصن وأسواره من الأمواج وغيرها من الأخطار البحرية. يقع الموقع على عمق ستة إلى ثمانية أمتار، ويغطي مساحة 13,000 متر مربع. وقد عُثر بالموقع على حوالي 4,000 قطعة أثرية، منها تماثيل لأبي الهول وأعمدة مختلفة الأشكال، وتيجان وقواعد أعمدة، وأجزاء من المسلات. وهذه الكتل مختلفة الأحجام والأوزان، يبلغ وزن بعضها 75 طنًا، وهي منحوتة في الجرانيت والكالسيت والكوارتزيت والحجر الجيري والحجر الرملي والكاريّوكي.
وإلى الشمال من قلعة قايتباي، أجرى المركز مسوحًا مرئية وجيوفيزيائية بحثًا عن حطام السفن. وفي هذه المنطقة، عند مدخل ميناء الإسكندرية القديم، عُثر على ثلاث سفن، ولكن بدون الأبدان. واحتوت المواقع على أمفورات وأوانٍ من الحياة اليومية، بالإضافة إلى مراسي معدنية وحجرية. يمتد تأريخ حطام السفن من القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن السابع الميلادي. كما عُثر على حطام رابع في الغرب، يحمل كتلًا من الحجر الجيري ربما كانت من محجر “المكس”، على بعد حوالي 10 كيلومترات غرب قايتباي، والتي يُحتمل أنها كانت مخصصة لأغراض البناء في الإسكندرية.
وفي عام ١٩٩٦، تم انتشال ستة وعشرين قطعة أثرية من قاع البحر، منها تماثيل لأبي الهول، وجزع علوي لسيدة، وجزء من مسلة، وجميعها من أحجار الجرانيت والديوريت، بالإضافة إلى تمثال للملك بطليموس (وهو معروض أمام مدخل مكتبة الإسكندرية حاليًا)، وذلك بعد الانتهاء من ترميمه.
وفي هذا الموسم، مايو – يونيو 2025، قامت بعثة المعهد السكندري للدراسات الشرقية، بقيادة توما فوجيه وإيزابيلا هارت، باستكمال أعمال المسح الأثري، مع انتشال بقايا كتل من الجرانيت الوردي لبقايا فنار الإسكندرية، والتي سبق اكتشافها في موسم 1994. وهذا حدث جلل يُحقق وصف المسعودي، كما ذكرنا في حلقة “تاريخ مدينة الإسكندرية” ضمن الحلقات السابقة، إذ وصف في عام 944 الفنار وصفًا أمينًا، وقدّر ارتفاعها بحوالي 230 ذراعًا.
وكما ذكرتُ لكم سابقًا، سنحكي التاريخ من خلال الآثار التي لا تزال قائمة حتى الآن، وما تم اكتشافه وانتشاله بالفعل. وأرجو أن يوفقني الله في ما هو قادم، إن شاء الله.
