
أحمد حاج علي: الوفاء لأهل الوفاء
بقلم الدكتورة/ بلسم عبد الحميد احمد القارح
مدير مكتب الأثارالاقليمي -البحر الأحمر
مدير متحف البحر الأحمر للآثار والتراث- السودان

في زوايا مسيرة بناء الأمة، هناك دائمًا أشخاص يساهمون في تشكيل المجتمع وحفظ تراثه دون أن يكونوا في دائرة الضوء. خلال عملي، حظيتُ بفرص ثمينة لأكون قريبة من بعض هؤلاء الأماجد، أتبادل معهم الحديث، فأكون الطرف الأكثر استفادة، أتعلم منهم وتهذب روحي بجمال قيمهم وأمانتهم. أكتب اليوم قليلًا عن عم أحمد وأهدي عبره التحية لعم جون وخالتي شامة وآخرين وأخريات ممن نقشوا في القلب دروس الوفاء والعطاء أحبتي لكم نرفع القبعة.
بطلنا اليوم هو أحمد حاج علي كبير النجارين المتقاعد من الهيئة العامة للآثار والمتاحف في السودان، أحد هؤلاء الأبطال الذين عملوا بصمت لكن بإرادة لا تلين وعزيمة لا تعرف الضعف
هاتفته ذات وسألته عن ذكرياته فانفتحت أمامي أبواب حكايات من الزمن الجميل حيث كان صوته الجهور الواثق يحمل نبرة عشق للمهنة وحنينًا إلى أيام مضت. تحدَّث عن المحطات التي عمل فيها عن القطع الأثرية التي مرّت بين يديه وعن الترميمات التي كانت أشبه بإعادة الروح لقطع تاريخية نادرة. وليست بوابة جزيرة سواكن الأثرية بعيدة عن حديثه، ومسجد دنقلا العتيق وأهرامات البجراوية شاهدة على جهوده ، كانت يداه اللتان خطّ عليهما الزمن خريطته الخاصة تعملان كجسر يربط الماضي بالحاضر في صمت ودون ضجيج ، حكى عن صعوبة العمل وأهمية التفاصيل الدقيقة، وكيف كان يتعامل مع أدواته، وما يلزم من إتقانٍ لإعادة الحياة لمقتنيات أثرية قديمة تتطلب الدقة والعناية لكن الحديث الأكثر تأثيرًا كان عن علاقته بالعاملين معه وكيف أن العمل الجماعي كان يشكل أساس النجاح وأنه مهما كان الإنجاز كبيرًا، فإن الفضل يعود دومًا للأيدي التي لم تكف عن العمل خلف الستار.في قاعات المتاحف السودانية، وفي أروقة المخازن الأثرية، وفي معسكرات التنقيب الأثرية كان هو وزملاؤه المجهولون يبذلون جهدًا مضنيًا لحماية الكنوز التاريخية، يدًا تصقل الخشب، وأخرى تحمي جدران الزمن من الانهيار. كانوا جزءًا من قصة طويلة، لكن أسماءهم نادرًا ما تتردد خارج نطاق من يعرفون قيمة العطاء الصامت.
ليس من باب المبالغة والتفخيم بل من باب الوفاء والاعتراف بالحقائق، أن الاحتفاء بمن عملوا في الخفاء لا ينبغي أن يقتصر على التكريم في المناسبات، بل يجب أن يكون جهدًا مستمرًا يُسلط الضوء على تضحياتهم وأعمالهم الجليلة. فكما نعتبر التراث جزءًا لا يتجزأ من هويتنا، ينبغي أن ندرك أن كل من ساهم في صناعته يستحق أن يُذكر ويُكرَّم في كل المحافل..
عم أحمد لم يكن مجرد نجار ماهر، بل هو روحًا حية في كل قطعة خشبية لا تزال تزين متاحفنا وتحفظ تاريخنا، هو الأب الذي كرس جهده لتعريف الأجيال القادمة بقيمة التراث، وتعليمهم كيف يُصان بحبٍ وعناية. ورغم تقاعده من عمله الرسمي إلا أن بصمته لا تزال حاضرة سواء في الأعمال التي أنجزها أو في الأجيال التي نهلت من علمه. فهو صوت أصيل وأجيال المستقبل بحاجة إلى أن تستلهمه.
هذه الشهادات الحية ليست مجرد حكايات عن عم أحمد وحرفيته، بل هي شهادة وفاء لأجيال من رجال ونساء وطني العربي الكبير الذين أسهموا بتواضع وإخلاص في صون هذا التراث العظيم. ومع مرور الزمن، تتلاشى أسماء كثير من هؤلاء الأبطال في زوايا النسيان، فلا يذكرهم أحد إلا نادرًا. وهنا يأتي دورنا، نحن الذين نوثق التاريخ ونخلّد هذه المسيرة. فالاحتفاء بهم والاعتراف بجهودهم ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو إحياءٌ لتراثنا وامتدادٌ لعطائهم، وهكذا يكون الوفاء لكم، أحبتي أهل العطاء الممهور بالوفاء.