" أعطيكِ رأسي كي تتوهّجي"
بقلم الدكتورة/ عبير خالد يحيى
في العتمة،
يتسلّل الليلُ من مسامِ الطاولة،
وتنهضُ شمعةٌ وحيدة،
تُخفي لهفتَها تحت قشرةٍ من شمعٍ تصلّبَ كصبرٍ النيام.
قريبًا منها تتثاءبُ علبةُ كبريتٍ،
وفي أعماقها يحلمُ عودٌ صغيرٌ
باحتراقٍ يكتبه في الهواء.
همسَ لها بصوتِ ما قبل الاشتعال:
بمَ يهمسُ عودٌ أخيرٌ لشمعةٍ تنتظرُ مصيرَها؟
ابتسمت، وفي ملامحها سكونُ من يعرفُ طريقَه إلى الفناء:
ومن سواك يفهمُ أنّ النورَ لا يُولَدُ إلا من موتٍ جميل؟
تعالَ، فالليلُ يبردُ إن تأخّرتَ عليّ.
اقتربَ منها ببطءٍ يقطّرُ خوفًا،
واحتكَّ الهواءُ بالصمت،
فانبثقت قبلةُ النارِ الأولى —
قصيرةٌ، واثقة،
كعمرٍ يعرف نهايتَه ويبتسم.
قال وهو يتحوّل إلى لهبٍ يتنفسُ ذاته:
أعطيكِ رأسي كي تتوهّجي…
ها قد فقدتُ رأسي،
لكنّي وجدتُ معنى الوجود.
وأجابت وهي تسيلُ ضوءًا على مائدةِ الليل:
وأنا وجدتُ نفسي في رمادِك،
ما أغربَ أن يُولَدَ الضوءُ من فناءَين!
من ركنٍ بعيدٍ،
أطلَّ الظلُّ — شاهدُ الحكاية الأبدي،
وقالَ بهدوءٍ يقطرُ من فمِ العدم:
من اشتعالكما وذوبانكما أُخلَقُ،
أنا ذاكرةُ النور،
أثرُ العاشقين حين يفقدُ الرأسُ معناه.
ثم أغمضَ الليلُ عينيه،
وظلَّ الضوءُ معلّقًا بينهما،
قربانًا لم يُكمل احتراقَه…
وصمتٌ يهبطُ ببطءِ ستارٍ من رمادٍ مقدّس.
