الأسطورة وتشكّل الزّمن الرّوائي والرّاوي في منزل بلا أساطير

WhatsApp Image 2025 12 19 at 8.20.28 AM

الأسطورة وتشكّل الزّمن الرّوائي والرّاوي في منزل بلا أساطير

الأستاذة الدكتورة / درية فرحات-  الجامعة اللّبنانيّة

WhatsApp Image 2025 12 19 at 8.22.28 AM


“منزل بلا أساطير” رواية للرّوائيّ والطّبيب المصريّ عمرو عافية، وفي العنوان إيحاء يقودنا إلى البحث عن الأسطورة مفهومًا، ويمكن القول إنّ الأسطورة تُعرف عند الإغريقين بمصطلح “الميثولوجيا” ويُقسم ذلك اللفظ إلى مقطعين “الميثو” أي: الخرافة أو الحديث أو الأسطورة، “لوجيا” أي: التّصريح أو القول، وبالجملة فإنَّ ذلك اللّفظ يعني القصص الخياليَّة، أمّا تعريف الأسطورة في الأدب العربيّ فهي بالأغلب الأعمّ هي مجموعة من القصص والحكايات التي توارثها الأبناء عن آبائهم جيلًا بعد جيلٍ، وعادة تكون مجهولة المصدر، ويتداخل فيها الخوارق والخيال.

وإذا كان العنوان أحالنا بوظائفه إلى ذلك، فالسّؤال المطروح هل الرّواية في صفحاتها التي تجاوزت السبعمائة صفحة تشير إلى العالمين المختلفين اللذين يمتزجان في الأسطورة، أي عالم الطّبيعة الذي لا تتحرّك فيه الأشياء إلا بأسبابها، وعالم ما فوق الطّبيعة الذي غُيّب الإنسان عنه فكان ذلك نتيجة تعدد المظاهر الطبيعية حوله؟

سؤال منطقيّ… لكنّ القارئ للرّواية ينطلق إلى عالم آخر، يعيش فيه مع بطلها شادي حسين عرفان المدرّس بمدرسة فرنسيّة بالإسكندريّة، ويدرك أنّه أمام بطل من نوع مختلف، فهو أقرب إلى أن يعيش في عالمه الخاص منذ طفولته ” في الحقيقة كنت طفلًا وحيدًا بكل معنى الكلمة” ص 387، ويرى أمامه هذا الجملة “أنت وحيد يا شادي” 515، وهذا ما جعله يغرق في عالم من نوع آخر مابين عشق القواميس والبحث عن أصول الكلمات ومعانيها في اللّغات العديدة، وهذا العشق قد يدفعه إلى الصّراع مع الآخرين من أجل كلمة. إنّه عشق يقوده إلى التّماهي مع داخله، فينسى الآخرين من حوله، عند التّفكير في معنى كلمة. ولا يكتفي شادي عرفان بهذا العشق، إنّما نكتشف أيضًا عشقه للموسيقى، لكن ليس عزفًا أو غناءً، إنّما في البحث عن النوتة الموسيقيّة، وعن المصطلحات الموسيقيّة. ومن هنا نكتشف أنّه فريد من نوعه يعيش عالمًا بعيدًا من الواقع المحسوس، وكأنّه غير موجود في زمان أو مكان معيّنين.                                                             

والحديث عن العنوان وما توحيه كلمة الأسطورة، يجعلنا نفكّر في هذه الكلمة متتبعين ورودها في الرّواية، متسائلين عن أي أسطورة يتحدّث الكاتب، وما يلفت أنّ هذه الكلمة برزت بشكل واضح في الأجزاء الأخيرة من الرّواية، خصوصًا في الملحق الأوّل تحت عنوان “النّهر الأسطوري” وهي القصة التي أراد شادي أن يكتبها لكن كسله منعه، فتتواتر رموز أسطوريّة مثل “سخمت” وهو من الآلهة في ميثولوجيّة مصريّة قديمة، تمثّل غالبًا كسيدة برأس لبؤة جالسة، أو الإشارة إلى إيزيس وهي آلهة في الدّيانة المصريّة القديمة وقد انتشرت عبادتها في العالم اليوناني الرّوماني، أو الإشارة إلى زيوس الذي يلقّب عند الإغريق بأب الآلهة والبشر، ويرد أيضًا الحديث عن آلهة الأوليمب وهم الآلهة في البانثيون الإغريقي. وقد ترد إشارات أسطوريّة إلى رموز بعيدة من الآلهة مثل “سيكلوب” وهم مسوخ من جنس الجبابرة، ذوو عين واحدة وسط الجبهة، وهم في الأساطير الإغريقية عمال مهرة يصنعون الصّواعق وأسلحة الآلهة ويحقّقون الأعمال الكبيرة والضخمة. والحديث عن هذه الرّموز الأسطوريّة يقودنا إلى التّساؤل عن دلالاتها في الرّواية، ولعلّنا نتساءل كما كان تساؤل المتحدّث في “النّهر الأسطوري” “هذا هو الحلم. أهذه هي الأسطورة. أيكون هذا مزاحًا. أهذه السّعلاة هي ما أريد؟! هي ما أشتهي؟”. (ص 609) 

والبحث عن هذه الدّلات تحيلنا إلى هذا المنزل الذي يسكنه شادي مع أمّه وقد فقد والده صغيرًا، فظلّت صورة الوالدين تحمل أبعادًا أسطوريّة، ويقول شادي عن والده ووالدته “ها هي أمه تتحوّل أيضًا إلى نجمة بعيدة في السّماء السّوداء كما تحوّل أبوه. سيبحث للأبد عن هاتين النجمتين وهو يأمل أن يجدهما”.(ص 496)، ويظلّ شادي مشدودًا إلى النّجوم المعلّقة في سقف غرفته التي أهداه إياها والده. لكنّ هذه النّجوم العالية التي تضيء غرفته تختبئ وراءها أسرار عديدة، وتبدأ في الظّهور أمام شادي عرفان في زفاف إحدي قريباته، حيث يلتقي بامرأة  تدعى “خير” كانت على علاقة بأبيه فتفتح أمامه الأبواب المغلقة عن الصوّرة الأسطوريّة لوالده، وعن حكاياته مع عشيقاته.

وللكشف عن المغلق من حكاية منزل بلا أساطير نكتشف أن زمن السّرد يفارق زمن الأحداث، فيحدث ما يسمّى “انزياح الزّمن” فيتحرّك في الحاضر، ثمّ ينزاح الزّمن إلى الماضي، ويميل السّرد إلى استخدام تقنيات عديدة من تقنيات الزّمن السّرديّ. ومنها استخدام تقنية الاسترجاع أو الرّجعات /الفلاش باك، والرّجعات هي عودات إلى أحداث سابقة يقتضيها إيضاح الأحداث الراهنة أو إكمال رسم شخصيات الرّواية، بعد إثارة فضول القارئ، ومن هنا بدأنا نكتشف شخصية الأب ونعرف حكاياته مع عشيقاته، خصوصًا بعد أن أثارت “السّت خير” فضول شادي عرفان ليزيح المستور عن شخصية والده، وقد أتقن الكاتب في التّنويع بطريقة هذه الرّجعات، فأحيانا كانت تطول وتعود بنا إلى رسم صورة كاملة عن الحدث في الزّمن الماضي، فنراه يعود إلى الوراء “ويتذكر أيام أن كانت أخته ضحى تلاعبه صغيرًا. كان لعبهما هادئًا خاصة أوقات الظهيرة حين قيلولة والديهما. لا يزال يتذكر أوقات الظهيرة والشارع هادئ للغاية لا صوت إلا حفيف الشجر أو سيارة ضلت الشوارع الكبيرة لشارعهم الصغير. صوت بائع متجول يغني فيقلدانه بصوت خفيض وتكون اللعبة أن يحاول شادي معرفة علام ينادي هذا البائع. وكثيرًا ما كان يخطئ فتقوم ضحى بعضِّه عضة خفيفة أو تدغدغه وهي على يقين أنه لن يستطيع أن يعلو بصوته احترامًا وخوفًا لنوم والديهما” (ص366). ومن الملاحظ أنّ الكاتب يحرص على تقديم التّفاصيل التي ترسم الموقف كاملًا. 

 أو قد يكتفي الكاتب في هذه الرّجعات تقديم معلومة بسيطة لكنها تكمل الصّورة المطلوبة، فيقدّم رجعة لم  يكتمل فيها الحدث إنّما فقط لنعرف سبب معرفة شادي بكلية الفنون “ثم تذكّر أيام الكلية عندما كان يركب التّرام الأزرق المتهادي حتى يصل إلى محطة مظلوم ليزور مرڤت في كلية الفنون الجميلة” (ص 267). أو الاسترجاع الذي عاد بشيرين أو العرجاء كما يسميّها شادي، عندما قارنت بينها وبين شادي الذي كان لحوحًا في معرفة أشياء عن أبيه، بينما هي لم تشغلها فكرة غياب أبيها، فتسترجع موقفها في المدرسة “عندما كانت البنات في المدرسة يتكلمن عن آبائهن. لم يخطر لها قط أن تقارن اختفاء أبيها وغيابه بوجود آباء للآخرين”، ص 370.

وفي أثناء بحث شادي عن حكاية والده مع العشيقات اللواتي عرف بهنّ حديثًا يعود إلى الواراء ويسترجع طبيعة العلاقة بين أمّه ليلى ووالده، فتطفو على الذّاكرة صوت الشّجار القديم لكنّها تظلّ ضبابيّة “عاد إلى غرفته ووضع كرسيه في اتجاه البلكونة وشرد في الحديقة وهو يحاول استرجاع علاقة أبيه بأمه إلا أنّ كلّ شيء أصبح ضبابيًا تمامًا. لماذا يتذكر جدته بوضوح ويضيع أبوه في التّهويمات الزّئبقية للذّاكرة؟ أمي السيدة ليلى وأبي السيد حسين.كانت أصوات شجارهما تقترب أكثر” ص 82. 

ومن التّقنيات المستخدمة أيضًا تقنية الاستباقات التي قوامها الإخبار مسبقًا بأحداث سوف تقع لاحقًا، وهي تسهم في تحضير القارئ لتقبّل ما سوف يقع، وإظهار الهواجس التي تسيطر على شخصية البطل، أو غيره من الشّخصيات، ويبدو ذلك مثلا مع العرجاء التي أرادت أن تتكيّف مع فقدانها لمنزلها وتقبّلها فكرة العيش في منزل “السّت خير” فتقول: “”ها أنا ذا فوق الجميع، فوق السّيطرة نفسها، فوق البحر والحبّ والمشاعر. وحديقتي التي سأفقدها قد تستعاد هنا، فوق السّحاب، كانت في قاع عمارة ومنورها. هنا من الممكن أن تعتلي هي الأخرى المدينة والدّنيا. وتصبح أعلى من إيفرست التبت”. (372). 

وتظهر تقنية الحلم الصّريح وهو ما تراه الشّخصية في النّوم أو في اليقظة، ما يمثّل الخوف أو يحقّق الرّغبة، “غطس لثوان في نوم عميق كأنه غيبوبة ثم فز فجأة منتبها وأضغاث حلم في مخيلته من الأحداث التي جرت له وصوت أبيه يناديه. ثم اكتشف أنه يخلط حلمًا بأحداث الماضي فانتبه أكثر مسترجعًا تفاصيل الحلم. هبّ جالسًا وقال لها: رأيت حلمًا. خليط مما حدث لي على بعض الخزعبلات”. (482). ففي هذا الحلم تصوير للواقع النّفسي لشخصية شادي.

أمّا الرّاوي في رواية “منزل بلا أساطير” فهو الرّاوي العليم بكلّ شيء، وهو من خارج شخصيّات الرّواية، ويمكن القول إنّ الرّؤية هنا من وراء أو من خلف فيكون الرّاوي عارفًا أكثر ممّا تعرفه الشّخصيّة الرّوائيّة ويستطيع أن يصل إلى المشاهد جميعها، وأن يدرك ما يدور في خلد الأبطال حتى تلك التي ليس لهم بها وعي هم أنفسهم، فنرى الرّاوي يعرف خبايا النّفوس “كادت السّت خير أنْ تضيفَ أمك امرأة عجفاء لكنّها أحجمت لرؤية استياء شادي مما تقول”. (230)، ويعلم ما في نفسية شادي “أدرك شادي من رقة صوتها أنّها تريد أن تقول لا أريد أن ينعزل عن العالم مثلك. فكّر كم تحبّه! وكم تخاف في الوقت نفسه على ابنها الصغير”.(264). 

وإذا جاز هذا الأمر وكما أسماه توماشفسكي بالسّرد الموضوعي، لكنّ الأمر أحيانًا قد يصل إلى كشف طوايا الشّخصيّة وكأنّه تدخلٌّ من الرّاوي فيقول “لا نستطيع أن نقول إن شادي متدين. هو مؤمن بوجود إله قوي جبار متحكم”، (358). ويعتمد الرّاوي أيضًا تسويغ معرفة العرجاء بالنّجوم المعلّقة في غرفة شادي من دون أن يكون قد أشار إلى ذلك مسبقًا، “التفت إليها غير فاهم ثم قال مشاكسًا عندما عرف أنّها تسخر من كسله في رفع النّجوم مكانها وأمله في بزوغها مرة أخرى كما ثرثر معها من قبل” (382)، فالرّاوي يسوّغ معرفتها بقصة النّجوم بعبارة “كما ثرثر معها من قبل”، ويمكن أن نتبين عبر ذلك تفاوت سرعة حركة السّرد عبر عدّة تقنيّات اقترحها الباحث الفرنسي جيرار جينت، فهنا يبدو لنا تقنية التّلخيص وقد برز ذلك في كثير من مشاهد الرّواية.

ومن الملاحظ أنّ الكاتب قد ألحق روايته بملحقين عنون الأوّل منها باسم ” القصّة التي أراد شادي أن يكتبها لكن كسله منعه” والثّاني كان بعنوان ” ما لا يعرفه شادي عرفان”، وهذا ما يثير لدي القارئ/ المتلقي أسئلة أو اندهاشًا، فشادي عرفان لم يكتب القصّة الأساسيّة، ولم يكن هو الرّاوي ، فالرّاوي في رواية “منزل بلا أساطير” هو راوٍ عليم، وهنا نسأل ألم يكن بالإمكان إدخال ما لا يعرفه شادي عرفان ضمن تقنية الاسترجاع، خصوصًا أنّه يعود بنا إلى زمن سابق، ولعل هذا يعود إلى أنّ الرّاوي العليم كان ينطلق من رؤية شادي عرفان، فهو الوحدة السّارية التي تنطلق منها الرّواية، وكلّ الأحداث ترتبط به، أي أنّ حبكة الرّواية ترتبط بتصرّفاته وأعماله، فكلّ الشّخصيّات تدور في فلكه، لهذا ربما اعتمد الكاتب هذا الملحق. وإن أغفلنا هذا الملحق فإنّ الرّواية لن يختلّ فيها سببية الأحداث والتّماسك بين أجزائها. لكن من هذا الملحق ربما استطعنا أن نكشف الغطاء عن هذا الماضي الذي ربط بين ليلى وحسين والدي شادي، وفيه أيضًا اكتملت صورة العلاقة بين ليلى وحبيب الذي تزوّجته لاحقًا، وتكتمل مشهديّة العلاقة بينهما ونكتشف اختلافهما في الدّين.

وإذا كنا نسوّغ  وجود هذا الملحق الثّاني، فإنّنا مع الملحق الأوّل نعيش في خيال أسطوري نرى إمكانية تضمينه في الرّواية خصوصًا أنّ الكاتب رسم لنا غرام شادي بالمعاجم والموسيقى، فيمكن أن يضمّن روايته البعد الأسطوري في هذا الملحق في أثناء أحلام شادي مع نجومه المعلّقة، وربما تجنّب الكاتب ذلك منعًا من انقطاع السّرد أمام القارئ. 

وفي الختام نقول إنّ رواية “منزل بلا أساطير” بصفحاتها التي تجاوزت السبعمائة صفحة، تسمح لنا أن نتحدّث عنها بأكثر من ذلك، وأن نعالجها من زوايا عديدة. فالشّكر للكاتب عمرو عافية على هذه الرّواية الغنية بالأفكار والمعلومات، وقد استطاعت أن تقدّم لنا شخصيّات وعوالم روائيّة مميّزة، وأخذتنا إلى كلّ ما في الحياة من مشاعر وأحاسيس، كما أنّها قدّمت لي شخصيّات متنوّعة التّفكير والتّوجّه، ورسمت لنا دواخل النّفس البشريّة.

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *