الأنثى المعلَّقة بين الحقول والخرائط الملغَّمة قراءة ذرائعية في نصّ مفتوح عن الهوية المؤجَّلة للشاعرة نهلة عبد العزيز السحلي
بقلم دكتورة / عبير خالد يحيي-ناقدة ذرائعية
مقدمة
لا يتقدّم هذا النص بوصفه اعترافًا ذاتيًا أو بوحًا شخصيًا، ولا يطمح إلى تمثيل تجربة أنثوية مكتملة أو سرد سيرة فردية قابلة للاحتواء. إنّه نصّ مفتوح يشتغل في منطقة أكثر تعقيدًا وحساسية: منطقة الأنثى بوصفها حالة وجودية معلَّقة داخل عالم فقد توازنه الأخلاقي، وتحوّلت جغرافيته إلى مساحات ضغط، وليس إلى أماكن احتواء.
النص لا يراكم الأحداث، إنما يراكم التوتر؛ ولا يروي، وإنما يُثبّت القارئ داخل وضعية إنسانية تتشكّل عند تقاطع القمح والألغام، الحلم والمساومة، التهويدة والخذلان. ومن هنا، تنطلق هذه القراءة الذرائعية من التعامل مع النص بوصفه فعلًا لغويًا واعيًا، تتداخل فيه المستويات البصرية والنفسية والديناميكية والجمالية ضمن بنية دلالية واحدة، حيث تتحوّل الأنثى إلى بؤرة توتّر أخلاقي وإنساني لا إلى موضوع توصيف أو شفقة.
• البؤرة الفكرية
تتمحور البؤرة الفكرية للنص حول الهوية المؤجَّلة، لا بوصفها غيابًا للهوية، وإنما بوصفها شكلًا قسريًا من أشكال الوجود. فالأنثى في هذا النص لا تُعرَّف بما تملكه، ولا بما أنجزته، وإنما بما أُجبرت على تعليقه: الانتماء، القرار، الصرخة، وحتى الانكسار.
هي ذات تعيش بين إمكانين لا يُسمَح لها باختيار أيٍّ منهما بشكل نهائي. لا تنهار، لأن الانهيار حسم، ولا تكتمل، لأن الاكتمال امتياز غير متاح.
ومن هنا، يتحوّل الحلم من كونه وعدًا بالخلاص إلى فعل إبقاء على المعنى، وتتحوّل التهويدة والأغنية من حنين طفولي إلى آلية بقاء أخلاقية ونفسية في عالمٍ يدار بالسخرية والمساومات.
• الخلفية الأخلاقية
يقيم النص خلفيته الأخلاقية على إدانة المساومة، لا الألم، وإدانة الاختيار القسري، لا الهشاشة الإنسانية. فالأرض ليست فقط ملغّمة بالحرب، بل “مفخّخة بالمساومات”، ما يحيل إلى بنية أخلاقية فاسدة تفرض على الأفراد التخلّي عن ذواتهم مقابل النجاة.
الأنثى في النص لا تدخل لعبة التبرير، ولا تتكيّف مع القبح عبر العقلنة، ولا تحوّل معاناتها إلى خطاب استجداء. تحافظ على حدٍّ أدنى من النقاء الأخلاقي يتمثّل في الرفض الداخلي الصامت. وهذا الرفض، وإن لم يتخذ شكل الفعل الصاخب، يظل موقفًا أخلاقيًا واضحًا في مواجهة عالمٍ يساوي بين الأسود والأبيض، ويحوّل الإنسان إلى كائن قابل للمقايضة.
• المستوى البصري
يتشكّل الفضاء البصري في النص بوصفه جغرافيا شعورية مأزومة، لا مكانًا واقعيًا محدّدًا. فالصورة البصرية تقوم على تضادّات حادّة: حقول القمح في مواجهة الأرض الملغّمة، الطير في مواجهة الخذلان، الأرض بلا سقف في مواجهة الحواف المحترقة.
هذه الصور لا تؤدّي وظيفة وصفية، بل تؤدّي وظيفة تأزيم الرؤية. المكان هنا مكشوف، بلا حماية، بلا سماء، وبلا حدود آمنة. والأنثى لا تُوضَع داخل بيت أو مدينة، بل داخل فراغ بصري مفتوح على الخطر، ما يجعل الوجود نفسه فعل تعرّض دائم. وبهذا المعنى، يتحوّل المكان إلى أداة ضغط نفسي وأخلاقي، وليس إلى خلفية محايدة للأحداث.
• المستوى الديناميكي
على الرغم من هدوء اللغة الظاهر، فإن النص مشحون بحركية داخلية دقيقة تقوم على أفعال بطيئة لكنها حاسمة دلاليًا:
( التراجع، الشقّ، القعود، والزخرفة.)
الحركة هنا ليست انتقالًا مكانيًا، بل فعل مقاومة غير استعراضية.
الذروة الديناميكية في النص تتجسّد في عبارة “تشق حلمًا في الصخر”، حيث يتحوّل الحلم من حالة ذهنية إلى فعل اختراق. ليس الحلم خلاصًا، بل مجازفة، وليس خطوة للأمام، بل شقًّا داخل واقع صلد. أما الكتابة (تزخرف القصائد المطوية) فتغدو فعل صيانة للذات، وليس بحثًا عن اعتراف خارجي.
• المستوى النفسي
يشتغل النص نفسيًا على بنية التعليق المستمر، حيث تتكرّر حالات: محبوسة، مرهونة، معلّقة. وتتوالى الثنائيات النفسية: بين الشيب والغيم، بين الضوء والظل، بين الهوية والصيحة، بين الانحناءة والرفض.
هذا التكرار لا يدلّ على تردّد ضعف، وإنما على وعي نفسي مأزوم يدرك أن الحسم في هذا السياق شكل آخر من أشكال المصادرة.
الأنثى لا تختار أحد الطرفين لأنها تعلم أن الاختيار ذاته جزء من منظومة الإكراه. ومن هنا، تتشكّل الحالة النفسية بوصفها حالة صمود هشّ: لا طمأنينة، ولا انهيار، وإنما يقظة متعبة تحرس ما تبقّى من الذات.
• المستوى الجمالي
يقوم المستوى الجمالي في النص على جماليات الكثافة والاقتصاد والقطع. فاللغة مقتصدة، مشحونة، ترفض الشرح والإسهاب، وتعتمد الجملة الاسمية والتوازي البنيوي لإنتاج إيقاع دلالي داخلي.
تغيب البلاغة التقليدية لصالح توتّر لغوي نابع من الاصطدام بين المفردات الثقيلة والدلالات المفتوحة. الجمال هنا لا يُنتج عبر الزينة، وإنما عبر الضغط؛ وهو جمال مقاوم للتجميل، يرفض تحويل الألم إلى متعة لغوية أو استهلاك جمالي.
• المستوى الإيحائي التداولي
لا يخاطب النص قارئًا بوصفه متلقيًا سلبيًا، لكن يضعه داخل الوضعية نفسها التي تعيشها الأنثى. الإيحاء لا يعمل عبر التصريح، بل عبر خلق حالة من الاختناق النفسي والبصري، وتعطيل التوقعات السردية، وغياب الخاتمة المريحة.
النص لا يقول: هذه امرأة تعاني، بل يوحي: هذا هو الموقع الذي يُدفع إليه الإنسان حين يُدار العالم بالمساومة. وبهذا، يتحوّل النص إلى فعل تداولي أخلاقي يُحمِّل القارئ مسؤولية المشاركة الوجدانية والفكرية، بدلًا من الاكتفاء بالتعاطف.
الخاتمة
في هذا النص المفتوح، تتكامل المستويات الذرائعية لتنتج كتابة لا تراهن على الحل، بل على الوعي؛ ولا تبحث عن الخلاص،وإنما عن الاستمرار بمعنى. الأنثى هنا ليست موضوعًا للخطاب، بل محورًا دلاليًا تُختبر من خلاله هشاشة القيم، وتآكل الهوية، وإمكان الحلم بوصفه آخر أشكال المقاومة الصامتة.
هو نص كُتب ليبقى معلّقًا، لأن صاحبته اختارت ألا تُغلِق المعنى… وألا تنكسر.
النص:
كامرأة من مدن منسية.. مدن النسوة العالقات بين حقول القمح وأرض ملغمة ومفخخة بالمساومات ..
أرض بلا سقف حوافها نيران وسكانها أحزان يسكنها الطير لكنها تعترف بالفتنة والخذلان
بين أثقال عالم متحرك يموج بالسخرية وتأرجح الأسود والأبيض بين الصرخة والأمنية
لا تمتلك شيئا سوى تهويدة وأغنية..
محبوسة بين الشيب والغيم
مرهونة بين الضوء والظل
معلقة بين الهوية والصيحة
بين انحناءة ورفض
تتراجع خطوات على طريق مرهق
ثم تشق حلما في الصخر!
وتقبع فى زاوية الليل وحيدة
تزخرف القصائد المطوية .
نهلة عبد العزيز السحلي
