الإسكندرية بشهد أهلها

WhatsApp Image 2026 01 08 at 6.46.54 PM

الإسكندرية بشهد أهلها

بقلم الكاتبة/ هناء عبيد 

WhatsApp Image 2026 01 08 at 6.49.32 PM



كأن الإسكندرية سبقتني إلى ذاكرتي؛ عرفتُ ناسها قبل أن ألقاهم، وشربتُ من مائها قبل أن أصل، فكبر عشقها في داخلي حتى صار فتيًّا ينتظر اللقاء.

ربما ارتبط اسمها في ذاكرتي بمختبر السرديات في مكتبة الإسكندرية، الذي بدأت بمتابعته، وتشرفتُ بالتعرّف إلى مديره الأستاذ منير عتيبة، وروّاده من الأديبات والأدباء. وقد تشرفتُ بأن أكون أحد ضيوفه، حيث شاركت في مؤتمر القصة القصيرة الذي رأسته الأديبة القديرة نهى عاصم واستضاف ثلة من المبدعات العربيات كما كان لي حديث عن تجربتي مع الكتابة، والغربة، والبعد عن الوطن، مع مجموعة رائدة من الأديبات والأدباء، ثم استُضفتُ ثانية في ندوة خاصة، نوقشت خلالها روايتي «ثرثرة في مقهى إيفانستون»، بحضور قامات من النقاد الذين سعدتُ بتناولهم لروايتي بكل حرفية وتميّز.

كان للأديبة والصديقة نهى عاصم الفضل الكبير في تعرّفي إلى هذا الصرح الثقافي، وقد توالت الصداقات لاحقًا؛ فتشرّفتُ بالتعرّف إلى الأديبة والمترجمة غادة جاد، والدكتورة علياء إبراهيم، والدكتورة عبير يحيى، والأديبة رانيا ثروت، والأديبة منال الشرقاوي، وغيرهن من القامات الأدبية.

غدت الندوات تربطنا على الهواء، وكم تمنّيتُ أن ألتقي بهذه الوجوه الطيبة على أرض الواقع، وأن تقصر المسافات بيننا. لم أنتظر طويلًا لتحقيق هذه الأمنية؛ فقد فاجأني القدر بجود كرمه، وصدق القول: «أقداركم تُؤخذ من أفواهكم». وها هو الحلم يصبح واقعًا؛ فزرتُ القاهرة، ثم الإسكندرية، مدينة الأحلام التي طالما تشوّقتُ لرؤيتها.

حين وصلتُها، أخبرتُ صديقتي نهى، فسارعت بالمجيء على جناحي طائر حب. التقينا في أحد المقاهي الجميلة المنتشرة على شواطئ الإسكندرية؛ كان لقاءً محمّلًا بالدفء. تحدّثنا طويلًا، ثم توجّهنا إلى مكتبة الإسكندرية، وهناك تعرّفتُ إلى معظم الأدباء الذين فصلتني عنهم المسافات الشاسعة والمحيطات البعيدة، وكان لي الشرف بلقاء الأستاذ منير عتيبة والعديد من الأديبات والأدباء.

أكثر ما يميّز أهل الإسكندرية الطيبةُ الواضحة، والقلبُ الدافئ، والروحُ الحلوة والكلامُ الذي يشبه العسل. الزيارة جرّت زيارة أخرى؛ فمن يتذوّق عسل الإسكندرية يدمن عليه. لم أشعر أنني في مكان غريب؛ وجدتُ نفسي في مدينة شهدت ميلادي، دون أن أطأ أرضها في طفولتي.

الإسكندرية جميلة بأهلها ومعالمها المتنوّعة. كان لا بدّ من معرفة تفاصيلها، لكن ضيق الوقت حال دون ذلك، فحاولتُ التجوّل قدر الاستطاعة. ركبتُ الباص السياحي الأحمر  من أول محطة، حيث المرسي أبو العباس، إلى آخر محطة عند المنتزة.

كانت تجلس أمامي سيدتان فاضلتان. وحين ناديتُ صديقتي الجالسة أمامهما، التفتت إحداهما؛ فاعتذرتُ وأخبرتها أنني أنادي صديقتي. ابتسمت وقالت إنها تحمل الاسم نفسه. سألتني بلهجتها المصرية الجميلة: «من وين حضرتكم؟» أخبرتها أنني من فلسطين، فإذا بها تمطرني بسيل دافئ من الترحيب، ثم قالت: «أنتو مصريين وأهل بلد يعني». سرت قشعريرة في بدني واغرورقت عيناي. شكرتها بما جاد به قلبي، ثم سألتها: أين ينتهي بنا الباص؟ قالت: عند المنتزه. سألتها: وهل هو مكان جميل؟ فأجابت: «وهو معقول ما يكونش جميل وأنتم حتنوروه!» اخترقت كلماتها وجداني.

أدركتُ هناك أن المدن لا تُحَبّ بمعالمها وحدها، بل بأهلها، وأن الإسكندرية لا تُذاق مرة واحدة؛ فمن يتذوّق عسلها يعود إليها، لا زائرًا، بل مشتاقًا.

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *