الإصرار
بقلم الكاتبة/ فاطمة قوجة- الإمارات
الإصرار لا يغيّر الطريق فقط، بل يغيّر صاحبه.
الإصرار
هو تلك القوّة الهادئة التي تجعل الإنسان يكمل الطريق رغم التعب، ويعيد المحاولة رغم الخيبة، ويؤمن بأن السقوط ليس نهاية بل درسًا. الإصرار لا يعني غياب الخوف أو الشك، بل يعني التقدّم مع وجودهما. هو أن تختار الاستمرار حين يصبح التراجع أسهل، وأن تمنح نفسك فرصة جديدة كلما ظننت أن الفرص انتهت.
الإصرار ليس صراخًا ولا عنادًا أعمى؛ هو وعيٌ عميق بالغاية، وصبرٌ طويل على المسافة. به يتحوّل الفشل إلى خبرة، والوقت إلى حليف، والألم إلى طاقة دافعة. من يملك الإصرار لا ينتظر الظروف المثالية، بل يصنع من الظروف العادية إنجازًا.
الإصرار: حين يتحوّل الصبر إلى قوة
الإصرار ليس صفة عابرة، بل حالة وعي عميقة يعيشها الإنسان حين يقرّر ألا يكون ابن الظروف، بل صانع مصيره. هو ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس: “تابع”، في اللحظة التي يعلو فيها التعب، وتكثر فيها الأسباب التي تبرّر التوقف. بالإصرار لا ننتصر دائمًا بسرعة، لكننا ننتصر على أنفسنا أولًا، على شكّنا، وعلى خوفنا من الفشل.
في طريق الإصرار، لا تسير الأمور كما نخطّط لها غالبًا. تتعطّل الأحلام، تتأخّر النتائج، ويخذلنا من ظننّاهم سندًا. هنا بالذات يظهر الفرق بين من يملك الرغبة ومن يملك الإصرار؛ فالرغبة تضعف مع أول عائق، أما الإصرار فيزداد صلابة كلما اشتدّت الرياح. الإصرار هو أن تؤمن بقيمتك حتى عندما لا يراك أحد، وأن تواصل العمل بصمت حين لا يأتيك التصفيق.
الإصرار لا يعني العناد، ولا الإصرار على الخطأ. بل هو مرونة ذكية؛ أن تغيّر الوسيلة دون أن تتخلّى عن الهدف، وأن تتعلّم من كل سقوط كيف تنهض بطريقة أفضل. فكل تجربة فاشلة هي حجر يُضاف إلى طريق النجاح، وكل محاولة ناقصة تقرّبك خطوة من الاكتمال.
وفي عمق الإصرار يسكن الصبر. صبرٌ لا يشتكي، ولا يقارن، ولا يستعجل الثمرة قبل نضجها. هو يقين بأن لكل شيء أوانه، وأن ما كُتب لك سيأتي، لكن السعي هو الامتحان الحقيقي. لذلك كان الإصرار فعل إيمان قبل أن يكون فعل إرادة.
كل إنجاز عظيم بدأ بمحاولة لم يصدقها أحد .. إن تؤمن بنفسك في زمن يشكّك فيه الجميع.
الإصرار: رحلة الإنسان من الانكسار إلى التحقّق
الإصرار ليس مجرّد كلمة تُقال في سياق التحفيز، ولا شعارًا يُعلّق على الجدران، بل هو نمط حياة يتشكّل في أعماق الإنسان عندما يقرّر ألا يكون ضحية الظروف، بل شاهدًا على قدرته على التحمّل والتجاوز. الإصرار يولد غالبًا في اللحظات الصعبة، في تلك المساحات الرمادية بين اليأس والأمل، حين يبدو التراجع خيارًا مريحًا، لكن الاستمرار يصبح قرارًا أخلاقيًا تجاه الذات.
الإصرار كقيمة داخلية
الإصرار قيمة تنبع من الإيمان بالنفس، لا من تصفيق الآخرين. هو أن تعرف من أنت، وما الذي تستحقه، حتى وإن أنكرك العالم مؤقتًا. كثيرون يملكون أحلامًا كبيرة، لكن القليل فقط يملكون النفس الطويل الذي يحتاجه تحقيق هذه الأحلام. فالإصرار لا يقاس بسرعة الوصول، بل بقدرتك على البقاء ثابتًا في الطريق رغم بطئه، ورغم الشكوك التي تتسلّل إليك كلما تأخّر الحلم.
الإصرار ومواجهة الفشل
الفشل ليس نقيض الإصرار، بل أحد أوجهه. من يصرّ لا يخلو طريقه من السقوط، لكنه يرفض أن يكون السقوط نهاية الحكاية. كل فشل يحمل رسالة، وكل خسارة تخفي درسًا، والإصرار هو القدرة على قراءة هذه الرسائل دون انكسار. هو أن تنهض وأنت مثقل، أن تحاول مرة أخرى وأنت متعب، أن تؤمن بالنتيجة حتى عندما تتشوّش الرؤية.
الإصرار بين العناد والوعي
كثيرًا ما يُساء فهم الإصرار فيُخلط بالعناد. لكن الفرق بينهما كبير؛ فالعناد تشبّث أعمى، أمّا الإصرار فهو وعيٌ مرن. الإصرار الحقيقي يسمح لك بتغيير الوسائل، بإعادة ترتيب الخطط، وبالاعتراف بالأخطاء دون أن تتخلّى عن الهدف. هو أن تقول: “سأصل، لكن ليس بالضرورة من الطريق نفسه”.
الإصرار في زمن الإحباط
نعيش في زمن سريع، تُقاس فيه النجاحات بالمظاهر والنتائج الفورية، ما يجعل الإصرار أكثر صعوبة. فالتأخّر بات يُفسَّر فشلًا، والصبر يُنظر إليه كضعف. لكن الحقيقة أن الإصرار اليوم هو فعل شجاعة، لأنك تختار أن تمشي عكس التيار، أن تبني نفسك بهدوء، وأن تثق بأن ما يُزرع في الخفاء ينمو في العلن يومًا ما.
الإصرار والبعد الروحي
في العمق، الإصرار مرتبط بالإيمان؛ إيمان بأن الله لا يضيع سعي من أحسن العمل، وبأن لكل تعب أجرًا، ولكل دمعة معنى. الإصرار ليس فقط قوة نفسية، بل طمأنينة روحية تجعل الإنسان يواصل السير وهو مطمئن أن النتائج، وإن تأخّرت، فهي محفوظة عند الله. قال تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وفي هذه الآية خلاصة فلسفة الإصرار كلها.
الإصرار وبناء الذات
من يصرّ لا يصل فقط إلى هدفه، بل يصل إلى نسخة أقوى من نفسه. تتبدّل نظرته للأشياء، يتغيّر تعامله مع الألم، ويصبح أكثر نضجًا وهدوءًا. الإصرار يصنع شخصية تعرف متى تقاتل، ومتى تصبر، ومتى تنتظر دون أن تيأس.
الإصرار هو أن تمشي خطوة إضافية عندما يعتقد الجميع أن الطريق انتهى.
من يصرّ، لا يُهزم؛ إمّا يصل، أو يصبح أقوى.
و ليس أن لا تتعب، بل أن لا تستسلم. فالطريق الطويل لا يخيف من آمن بالوصول.
الإصرار حين يخذلنا الأمل
أصعب لحظات الإصرار ليست تلك التي نكون فيها متحمسين، بل حين يخفت الأمل ونشعر أن ما نبذله لا يُرى. هنا يُمتحن الإنسان حقًا: هل يواصل لأنه يؤمن بالطريق، أم يتوقف لأنه لم يتلقَّ ما يكفي من الطمأنينة؟ الإصرار الحقيقي يظهر عندما تستمر رغم غياب الدليل، ورغم صمت النتائج، ورغم ثقل السؤال: “إلى متى؟”.
الإصرار والعزلة
غالبًا ما يكون طريق الإصرار طريقًا وحيدًا. يقلّ الرفاق كلما طال المسار، وتصبح قراراتك محل تساؤل أو استهجان. لكن العزلة هنا ليست ضعفًا، بل مساحة لإعادة الاتصال بالنفس، لفهم الدافع الحقيقي، ولتنقية الهدف من الضجيج الخارجي. من يصرّ يتعلّم كيف يكون رفيق نفسه، وكيف يمنحها الثقة عندما لا يجدها في أحد.
الإصرار والتعب النفسي
ليس كل تعب يُرى، فهناك إرهاق داخلي لا يلاحظه أحد. الإصرار لا يعني تجاهل هذا التعب، بل الاعتراف به دون الاستسلام له. أن تسمح لنفسك بالراحة دون أن تفقد الاتجاه، وأن تعطي قلبك وقتًا ليلتقط أنفاسه ثم تتابع. الإصرار الصحي هو الذي يوازن بين الاستمرار والرحمة بالذات.
الإصرار وتغيّر الإنسان
مع الوقت، لا يبقى الإنسان كما كان حين بدأ. تتغيّر أحلامه، تنضج أولوياته، ويتبدّل تعريفه للنجاح. الإصرار لا يُبقينا جامدين، بل يعيد تشكيلنا. نحن لا نصل كما خرجنا، بل نصل وقد تعلّمنا كيف نختار أنفسنا، وكيف نحمي أرواحنا ونحن نسعى.
الإصرار كاختيار يومي
الإصرار ليس قرارًا يُتخذ مرة واحدة، بل اختيار يتجدّد كل يوم. في كل صباح تقرّر: هل أكمِل أم أتراجع؟ وفي كل مساء تحاسب نفسك: هل كنت وفيًّا لما أؤمن به؟ لهذا فالإصرار ليس بطولة مفاجئة، بل التزام طويل النفس، هادئ، ومتراكم.
الإصرار عندما نفقد الثقة بأنفسنا
أحيانًا لا يكون العائق في الطريق ولا في الظروف، بل في نظرتنا لأنفسنا. نفقد الثقة، نراجع قراراتنا، ونبدأ بالتساؤل إن كنا نستحق أصلًا ما نسعى إليه. هنا يصبح الإصرار مواجهة داخلية قبل أن يكون صراعًا خارجيًا. أن تُكمل وأنت غير متأكد من قوتك، هذا بحد ذاته شجاعة. الإصرار في هذه المرحلة هو أن تمنح نفسك فرصة جديدة، وأن تؤمن بأنك تتعلّم لا تفشل.
الإصرار والانتظار الطويل
من أقسى أشكال الإصرار هو الانتظار؛ انتظار الفرج، انتظار النتيجة، انتظار التغيير. الانتظار الذي لا يحمل ضمانات، ولا مواعيد واضحة. لكن الإصرار لا يقاس بسرعة الاستجابة، بل بقدرتك على الثبات دون أن يتحوّل الانتظار إلى مرارة. أن تنتظر وأنت تعمل، وتثق، وتصبر… هذا هو الامتحان الأصعب.
الإصرار في مواجهة التكرار
ليس التعب من المحاولة الأولى، بل من التكرار. أن تعيد المحاولة ذاتها مرارًا، وأن تواجه الخيبة نفسها بأشكال مختلفة. الإصرار هنا ليس اندفاعًا، بل قدرة على الاحتمال، على أن تقول: “سأحاول مرة أخرى، لكن بعين أوسع وقلب أهدأ”. التكرار مع الوعي يصنع الخبرة، ومع الإصرار يصنع التحوّل.
الإصرار والخذلان
بعض الخيبات لا تأتي من الطريق، بل من البشر. ممن وعدوا ثم غابوا، أو صدّقوا لحظة ثم تراجعوا. الإصرار لا يعني إنكار الألم الناتج عن الخذلان، بل عدم السماح له بأن يحدّد نهايتك. أن تُكمل دون أن يتحوّل قلبك إلى قسوة، ودون أن تفقد قدرتك على الثقة بالحياة… هذا أرقى أشكال الإصرار.
الإصراروالسكوت
ليس كل إصرار يُعلن، وبعض أعظم المعارك تُخاض بصمت. أن تعمل دون ضجيج، وأن تصبر دون شكوى، وأن تبني دون أن تشرح للآخرين سبب تعبك. الإصرار الصامت لا يحتاج إلى شهود، لأنه يعرف أن النتيجة وحدها ستتكلّم.
الإصرار حين يتأخّر الوصول
قد تصل متأخرًا عمّا خطّطت، لكنك تصل في الوقت الذي أصبحت فيه مستعدًا. الإصرار لا يسرق منك العمر، بل ينضجك لتكون قادرًا على حمل ما تمنّيته. فبعض التأخير رحمة، وبعض الطرق الطويلة حماية، وبعض التعب إعداد غير معلن لما هو آتٍ.
الإصرار وعدٌ تفي به لنفسك قبل أيّ أحد.
الخاتمة
وفي نهاية الطريق، ندرك أن الإصرار لم يكن وسيلة للوصول فقط، بل كان الرحلة نفسها. كان المعلم الصامت الذي ربّانا على الصبر، والمرآة التي كشفت لنا قوتنا حين شككنا بها. الإصرار لم يعد محاولة للوصول إلى شيء خارجنا، بل أصبح عودة صادقة إلى أنفسنا، إلى قدرتنا على الوقوف بعد كل سقوط، وإلى إيماننا بأننا نستحق الاستمرار مهما تعبت الخطوات.
من يصرّ لا يربح النتيجة فقط، بل يربح نفسه كاملة؛ قلبًا أكثر اتزانًا، وعقلًا أكثر وعيًا، وروحًا تعرف أن التأخير ليس خذلانًا، وأن التعب ليس هزيمة. الإصرار يعلّمنا أن بعض الطرق تُطيل المسافة لتختبر صدق النية، وأن بعض الأبواب تتأخر لتُفتح في الوقت الذي نكون فيه أهلًا لها.
وهكذا، يبقى الإصرار فعل وفاء للنفس، ووعدًا لا يُكسر، واختيارًا يوميًا بأن نكمل رغم كل شيء. فمن يعرف كيف يصرّ، يعرف أن النهايات الحقيقية لا تكون عند التعب، بل عند الاستسلام… وهو خيار لا يشبه من آمن بطريقه يومًا.
الإصرار هو الوعد الذي تقطعه لنفسك بألا تتركها في منتصف الطريق. هو أن تختار الاستمرار حتى عندما لا ترى النهاية بوضوح، وأن تثق بأن الخطوات الصغيرة المتتالية تصنع أعظم التحوّلات. ومن يصرّ، يصل… ولو بعد حين.
الإصرار ليس طريقًا مفروشًا بالنجاحات، بل مسار طويل مليء بالاختبارات الخفية. هو اختيار يومي بأن لا تستسلم، حتى عندما لا يعود أحد يلاحظ محاولاتك. هو أن تتمسّك بنورك الداخلي في عتمة التردّد، وأن تثق بأن الخطوات الصغيرة، إذا تتابعت، تصنع مسافات عظيمة. من يصرّ لا يخسر أبدًا؛ إمّا أن يصل، أو يتعلّم، أو ينضج… وفي كل الأحوال، يربح نفسه.
من تعلّم الإصرار، تعلّم كيف يحوّل الألم إلى طاقة, فلا يقف الإصرار عند أول عثرة، بل يتقوّى بها.
