البراءة الموءودة فى قصة "بط أبيض صغير" لأحمد الخميسي
بقلم الكاتبة والناقدة/ فاتن محمد علي
تندرج هذه القصة في إطار فانتازيا رمزية ذات حمولة سياسية ــ إنسانية عالية، تستبطن أهوال الإبادة في غزة من زاوية نفسية خافتة، لا عبر الوصف المباشر، بل عبر استعارة كبرى تتمثل في تحوّل جثامين الأطفال إلى بط أبيض صغير يملأ فضاء الراوي. هذه الاستعارة ليست مجرد زخرفة بلاغية، بل آلية دفاعية ينشئها السارد ليحتمل ما لا يُحتمل، وليُحوِّل الفجيعة الجماعية إلى حضور يومي خانق يشاركه غرف البيت وأنفاسه
. البنية السردية: فانتازيا تنمو من قلب الواقع
يتأسس النص على حركة انتقالية من العالم الخارجي إلى العالم الداخلي:
يبدأ الراوي بفعل الانسحاب من متابعة الأخبار، كأن الواقع أثقل من أن يُحتمل.
لكن العالم الذي يحاول الفرار منه يتسلل إلى الداخل عبر شاشة التلفاز، ليفرض نفسه في صور النعوش المتدفقة.
هذا التدفق يتحوّل إلى كائنات فانتازية تستقر في بيته وتلازمه في يقظته ومنامه.
بهذا، تنقلب الفانتازيا إلى واقع مضاد، لا بوصفه هروبًا بل كاشفًا لعمق الندوب النفسية التي خلّفها مشهد الإبادة.
. اللغة: انسياب هادئ يخفي عاصفة داخلية
لغة النص مشبعة بنبرة شجن، تتوارى خلف جمل يبدو ظاهرها بسيطًا، لكنها محمّلة بإيقاع خافت من الانكسار. اختيار المفردات قائم على توليد التوتر عبر المفارقة:
“شجرة عيد ميلاد” تُزَيَّن بالموت،
“أمل يتواثب على الشباك” ثم يفر مذعورًا،
أطفال يتحولون إلى بط أبيض لا يحسن غير الاتّباع والارتعاش.
هذه اللغة المشحونة بالصور تُنشيء مساحة شعورية يتلاقى فيها القهر الأخلاقي بالاختناق الوجودي، فيرتفع النص من مستوى التوصيف السياسي إلى مستوى التجربة الوجدانية.
. الاستعارة المركزية: البط الأبيض كتجسدٍ للفقد
البط الأبيض ليس كائنًا فانتازيًا عابرًا، بل تجسيد رمزي لفكرة الطفولة المسلوبة.
لونه الأبيض يحيل إلى البراءة.
حركة “التجمّع حول قدميه” تحيل إلى طلب الأمان والاستغاثة.
الشاش المربوط على الفكين يحيل إلى قمع الصوت، وإلى جروح الموت التي لا تُداوى.
هذه الاستعارة تتسع تدريجيًا حتى تملأ البيت كله، فيصبح المنزل نفسه ساحة حرب نفسية؛ مساحة محاصرة بضحايا لا يهدأون، كأنهم يطالبون الراوي بقدر من المسؤولية الأخلاقية لا يستطيع الوفاء به.
أزمة الذات: قهر العجز وصراع الضمير
القصة تنسج حالة الإنسان الذي يتمزق بين شعوره بالعجز وبين إدراكه الأخلاقي. الراوي يكرر:
“هل أنا المذنب؟ هل أنا من يلقي القنابل؟”
هذا التساؤل يكشف أن الذنب ليس فعلاً، بل إحساسًا تولّده مشاهد الإبادة المتكررة، شعور بأن العالم كله بات شريكًا في الجريمة بصمته أو عجزه.
الفانتازيا هنا ليست محاولة هروب بل آلية تجسيد للذنب الجمعي، إذ تتحول الطفولة المقتولة إلى “كائنات” تطالبه بالاعتراف، وتطارده حتى آخر غرفة.
. النهاية: انمحاء الحدود بين الجاني والضحية
في الختام يربط الراوي فكه بذات الشاش الذي يربط مناقير البط. هذه الحركة تمثل لحظة ذوبان بين العالمين:
لم يعد قادرًا على موقع المتفرّج،
ولا يستطيع تخليص الأطفال من هيئتهم الفانتازية،
فيلتحق بهم ككائن أبيض صغير يقف في الطابور ذاته.
هذه النهاية شديدة الكثافة، تكشف انهيار الذات تحت وطأة الفجيعة، وذوبان الهوية الفردية في هوية الضحايا، كأن الألم لم يعد هناك في غزة فقط، بل امتد ليحوّل كل بيت وكل ضمير إلى مساحة حر
ما يصل إلى المتلقي: قهر يُعاد إنتاجه داخل اللغة
النص لا يُقدّم حدثًا بل يعيد تمثيل أثر الحدث: القهر، العجز، اختناق الضمير.
الانتقال المستمر بين:
الغرفة / الشاشة
الداخل / الخارج
الذات / الآخر
يحوّل القارئ نفسه إلى شاهد محاصر.
فالقصة تُقْرَأ لا باعتبارها رواية موت، بل باعتبارها مرثية لبراءة مهدورة واحتجاجًا صامتًا على عالم يفلت من إنسانيته.
الخلاصة
“بط أبيض صغير” نص فانتازي مشغول بأعلى درجات الشفافية الأخلاقية. يتجاوز التوثيق إلى تجسيد الندبة النفسية التي يتركها مشهد الإبادة الجماعية في وجدان الفرد البعيد جغرافيًا والقريب إنسانيًا. لغته الرقيقة تخفي عاصفة من الحزن، واستعارته المركزية تنقلب إلى بنية سردية كاملة، تحاصر السارد والقارئ معًا في دائرة واحدة من العجز والرجاء.
القصة بهذا الشكل ليست حكاية عن غزة فقط، بل عن الإنسان حين ينهكه ثقل رؤية ما لا يستطيع تغييره، وحين يصبح الألم العام ضيفا شخصيًا لا يتسع له البيت ولا اللغة.
