الرقصة الأخيرة
الكاتبة / فاطمة الزهراء بناني- تونس
كان ذلك اليوم لا ينسى. لا يزال محفورا في قلبي كختم لا تذهبه لا الأيام ولا السنين يوما ابتدأ معه عمري وسنيني وأيامي،وانطلقت فيه خطواتي وقد استعارت من الهواء خفته ومن أجنحة الفراش رهافتها وشفافيتها.ومن الزمن امتداده وأدركت أنني اليوم ولدت و اليوم تنفست واليوم شعرت أن لي قلبا يطير ويحلق،بعيدا عني وأنا ألاحقه لاهثة بفرح جنوني. يومها امتد كفه الناري لكفي يمسكها ضاغطا عليها، فاستجبت لضغطاته،وتشابكت الأصابع ..وهربنا لشارع “الحبيب بورقيبة” الطويل.
وقد شاركنا مطر تونس الجميلة و شتائها البارد هذا المولد .كان ذلك يوم الأربعاء من شهر ديسمبر من أول سنة لعشقنا الذي صار تاريخ ميلادي الجديد…حيث توقف الزمن إجلالا لحبنا…دقائق جميلة يباركه بعذوبة ليس هناك مثيل لها. و”محمود” يضغط على أصابعي التي بللتها قطرات المطر..والرذاذ يعزف على أوتار غصون الشارع الطويل أجمل الألحان.. حينها كونت الأطيار الساكنة في فروعها أجمل كورال يغرد لتغريد قلبينا السابحين في سماء تنفتح ثغورها على أهداب سحب تبتسم ليومنا الاستثنائي هذا فتلثمنا زخات المطر المتراقصة في كل الإتجاهات. ونسينا الوجود من حولنا والمارة وصخب الشوارع وقت الزوال. .. لم أدر ما طيب العناق في هذه السن حتى ترفق ساعده فطواني وراقصني….وهمس في أذني كلمات ليست كالكلمات… وتلاشى الوجود من حولنا. وانسدل شعري فاحما يقطر ماء وحبا وهياما…حب طالبين غرين…اتقدت في قلبيهما جذوة هذا العشق الذي طال كتمانه…حتى انفجر فانفجرت له عيون السماء مطرا ..وكأنما الطبيعة قد استبشرت به…وانتبهنا بعد إرهاق كبير من الرقص على أصوات تصفير وتصفيق ..فإذا عشرات المارة قد تحلقوا حولنا منبهرين بجنوننا العذب.. مبتسمين لحرارة قلبينا وشفتينا وقدمينا…فتوقفنا خجلين ..كأنما استيقظنا من حلم عذب جميل، أو كأنما كنا في السماء نحلق ونزلنا.
فإذا باعة الورد يقدمون لنا زهورا حمراء كحبنا البكر الفتي..انسحبنا بصمت وخجل وابتسامات الشكر بادية على محيانا وقد دبت خشية كبيرة في داخلنا خوفا من عيون واشية لربما لمحتنا وأوصلت ما حدث لأهالينا.
وأسرعنا نغادر المكان نلتفت ذات اليمين وذات الشمال. قطعنا الشارع الكبير، وولجنا لشارع باريس،نحث الخطى غير عابئين بهذه القطرات من المطر التي مازالت تغرينا بالرقص لكن الوقت العنيد لم يمكنا من ذلك، ثم توقفنا قليلا بجانب حديقة “البساج” قبل أن نفترق ودار بين عينينا حديث صامت مضمخ بعهد متين ووعد غليظ أننا قلب واحد،وحب واحد ونبض واحد.لا يفرقنا إلا الموت. وأسرعنا كل إلى بيته.
ليلتها نمت ملء جفوني ولست أدري هل كنت بغير جناح أطير،
أم طار بي السرير. تهدهدني أحلام ما ألذها من أحلام..فمحمود الذي كنت أظن الفوز بقلبه ضرب من ضروب المستحيل..صار لي حبه ملك يميني…نظرات عينيه السودانين لي ..وانتظاراته لي..وأحلامه لي وبي.
يا فرحة قلبي ويا لمناي وسعدي،يوم دست صديقتي جواهر ورقة في جيب ميدعتي ونحن في القسم في حصة الرياضيات..
لم أعرها أهمية كبرى فقد ظننت مضمونها سخيفا كما تعودنا أن نمزح ونكتب لبعضنا الملح حين يطول علينا وقت الدرس.
لكن نظراتها المتتالية تجاهي وغمزات عينيها تفشي بأمر ما،ويداها تشيران لي أن افتحي الورقة واقرئيها بسرعة،
ولتفادي التفاتاتها المتتالية وخشية من الأستاذة ،فتحت الرسالة
« “حياتي دلال”
ألقيت نظرة على آخر الرسالة فإذا هي مختومة باسم
“عاشقك محمود”.
كادت الفرحة تخطف روحي وتعطل أنفاسي،ولكنني تماسكت نفسي،وعادت إليّ الغبطة من جديد.
استأذنت من أستاذة الرياضيات بالخروج، فأذنت لي دون أن تنتبه لحالتي..لا أحد يعلم ما بي إلا صديقتي حاملة الرسالة..وقلبي الذي ارتفعت دقاته في كل درجة من درجات السلم التي بدت لي قد تضاعف عددها،ونفد صبري وما عدت قادرة على إخراج الرسالة العزيزة خوفا من أن يراني أحد إطارات المعهد فيحدث ما يقوض أحلامي قبل أن تتحقق،ولولا تمسكي بحبي الوليد لفقدت توازني وسقطت. سارعت إلى الوحدة الصحية..أغلقت الباب على وجل،وفتحت الرسالة بيدين مرتعشتين .تراءت لي الحروف في البداية غير واضحة.فدموع الشوق والغبطة حجبت عني الرؤية..لكن دقات قلبي رأفت لحالي وبدأت تعود لطبيعتها شيئا فشيئا..وانطلقت ألتهم الحروف والكلمات كجائع قد عثر على جفنة من الشهد تسبح في عسل مصفى شهي. كم حلمت بمثل هذه الكلمات السحرية أقوم بقنصها ثم أداعبها كل ليلة ,وبعدها أخبئها تحت وسادتي فترافقني في منامي.
“من قلب أعياه حبك،وتردد كثيرا حتى يبثك هذه الكلمات أكتب لك حبيبتي دلال لتعرفي أنني وقعت في عشقك منذ بداية السنة الدراسية..ولم أبح بعشقك إلا لوسادتي الأمينة أخبئ تحتها كل ليلة حروفي المضمخة بهواك فتزورني في منامي وتحثني على الاعتراف لك ..وها هي تدفعني دفعا لأقول لك حبيبتي أحبك حبا لا وصف له ولا مثيل .أعلم أن كلماتي القليلة عاجزة على إيصال ما أشعر به تجاهك .
وما شجعني على البوح لك بعشقي هذا الذي أضناني إلا نظراتك التي كانت تخترق جلدي وعظامي لتوطن في قلبي وتنام بين الوريد والوريد تزيد في تأجيج مشاعري..
سأنتظرك عند منتصف النهار عند باب المعهد فإن لم تكلميني فسأنسحب حاملا وجعي بين جنبي.”
شعرت بمزيج من المشاعر حفنة حب ورعشة رهبة وكم هائل من الفرح والسرور والحبور،أنستني كل هذه المشاعر للحظة الزمان والمكان وكم لبثت هنا .لكن صوت طرقات على الباب أعاد لي رشدي ،فتمالكت نفسي،وخبأت الرسالة بين طيات ملابسي وخرجت مسرعة إلى الفصل وكأنني بطل خارق أقفز درجات السلم كقط ماهر رشيق.
وجدت الأستاذة تكتب عدد صفحة الواجب المنزلي على السبورة ،مؤكدة على ضرورة إنجازه .سجلت رقم الصفحة على كفي،وأسرعت أرتب ملابسي،وأسوي شعري الناعم الطويل،وقد توهج خداي، وشعرت بقشعريرة لذيذة،وضربات في قلبي تكاد تخلعه من مكانه..فيا لخوفي من هذا الموعد!ويا لسروري به في الآن نفسه!.شعور متضارب لفتاة قد طرق الحب قلبها لأول مرة دون سابق إنذار.. وما أصعب الحب الأول وما ألذ طعمه..وما أقسى الزمان فيه حين يترصد فؤادي شامتا.
أخيرا دق جرس منتصف النهار.وأسرعت لا ألوي على شيء. حتى صديقتي جواهر التي كنت أغادر معها المعهد ونفترق في “باب بحر”لتعود كل واحدة لمنزلها،نسيت أن أنتظرها.. في هذه اللحظات لا أرى أحدا من هذه الجموع الغفيرة من التلاميذ…لا أراني إلا ومحمود معي يهمس “أحبك” وأجيب وأنا أحبك أكثر.
وشققنا صفوف التلاميذ المغادرين..ولما ابتعدنا ،أخذ كفي في كفه وضغط عليها فاستجبت لذلك وبادلته نفس الحركة بل أكثر،وعيناي تشهدان زهور الحب يفرشها قلبانا في الدرب تحت قدمينا،ومزامير السيارات تعزف لنا أجمل ألحان الغرام ،والهواء المنعش قد طار بنا على بساط سندسي جميل ،نحلق في سماء من الأحلام قد اختلطت بأنفاسنا المتوهجة الحارقة حتى كونت غيمة مبتسمة قد فتحت ثغرها الشهي على سيل من المطر في مدينتنا العاشقة و الحب والجمال والسحر في قلبي شابين غرين لم يذوقا شهد الحب إلا في هذا اليوم الماطر الذي يحلو فيه الرقص تحت زخات الغيث.
تهنا في دنيا الحب،حتى صرنا ظلا واحدا لقلبين قد أصبحا توأمين ينبضان معا، ويتبسمان معا،ويتدفق فيهما الدم سويا، فلا نفترق لا في ساعات الراحة ولا في الطريق ولا في الشارع الطويل ذلك المكان الذي شهد الشرارة الأولى لحبنا الوليد..وهمت به وهام بي،حتى أصبحنا حديث الأصدقاء ومثال الوفاء بل صرنا مضرب الأمثال في حفظ العهود،والتشبث ببعض.
كل الثنايا تعرفنا،وشرفات البيوت تبتسم لنا وجدرانها وأشجار الياسمين تلوح لنا بغصونها الحبلى ببياض كثغر حبيبي بهاء وحسنا،
وإذا مررنا أمام شيخ أو عجوز تبسم ابتسامة المتحسر على أيام الشباب التي فرت منه وما كان يحسبها تفر بهذه السرعة.وعيناه الضاحكتان تباركان حبنا ومحمود وأنا طائران محلقان في عالم من السحر والجمال والعشق الذي أشعل في حياتنا منارة للاجتهاد والتفاني في طلب العلم فكتبنا عهودا ومواثيق وضربنا مع النجاح مواعيد وأحلاما قد بنيناها بعينينا قبل قلبينا ولسانينا.. وتعاهدنا مرات ومرات أننا لبعض لا يفرقنا إلا الموت.
لكننا افترقنا إلى حين وما سكت قلبانا على النبض بهذا الحب المعذب أبدا،إذ حلت علينا لعنة الكورونا سنة 2020
إذ عم المدن والقرى خوف كبير.وارتعدت الفرائص وعمت فوضى صامتة وجثم الحزن على النفوس ،فتفرق الأحباب والأصحاب وحتى أفراد العائلات ،ولكم تمنيت أن أقابل حبيبي حتى للحظات، ،لكن والدي ووالدتي فرضا علي لزوم البيت خوفا ،وعدم الخروج حتى لأوكد الأمور.في تلك الفترة الرهيبة ، تعطلت المؤسسات والمصانع وعم شلل كامل المدينة وأصبح حضر الجولان ساري المفعول منذ الرابعة مساء وتوافدت علينا أخبار الموتى والمصابين والإعداد المهولة، وزادت الإشاعات في تضخيم الأمور وتهويلها ،حتى منعنا والدي منعا باتا من الخروج ،وأصبح يحضر لنا كل حاجاتنا بمفرده…وما حاجتي بالأكل والشرب ومحمود بعيد عني؟ وشوق حارق يمزق كياني ويقظّ مضجعي..ويفسد علي راحتي وهجوعي.ويدنو بي من حافة الذبول والهذيان،ولولا الاتصالات القليلة به لفقدت عقلي،فكلما وجدت الفرصة سانحة هاتفته أو كتبت له أبثه مشاعر الشوق والحنين،ونتقاسم كلمات الحب والهيام الملتهب بين قلبين فرض عليهما البعد القصري،إذ كان يعاني نفس السجن الذي وضعتنا الظروف فيه لكن الحب كان خير رسول بينا يسكن من نار الاشتياق المرهق اللذيذ .شهر من البعاد،ثم شهران،فثلاثة، ومحمود أحمله في عيني وقلبي وكل قطرة في دمي.
أكلي قليل،ونومي متقطع،وتركيزي مشتت وكلماتي قليلة مع أهلي على غير عادتي.
لاحظت ذلك أمي الخبيرة بكل سكناتي وحركاتي، وقرأت ما بي من قلق ونفاد صبر كأنما أجلس طول الوقت على صفيح من نار،لا يسعني أي مكان،ولا يقر لي قرار.ولا أتلذذ طعم أي أكل،
فجلست معي في غرفتي،وطلبت مني بكل هدوء أن أشرح لها ما يشغل بالي وفكري .حاولت أن أبرر ذلك بالابتعاد عن المعهد والمكوث في البيت وتعطل الدراسة والخوف من عواقب هذه الوباء المجنون التي لا نعرف له عواقب ولا نهاية.فقالت وهي ترتب شعري الطويل:”ألم تشتاقي لأصدقاء في المعهد؟”
شعرت بجمرتين من النار قد أصابتا وجنتي، وارتبكت،وقلت :”أكيد،اشتقت للطريق والذهاب إلى المعهد والصديقات والأصدقاء وأساتذتي.”
ردت بذكاء فاض من عينيها:”هل هناك شخص معين اشتقت له أكثر من الجميع؟”
ارتبكت وتلعثم لساني ،وكثرت حركة كفي بصفة عشوائية وقلت:”لا لا اشتقت لهم كلهم.”
أجابت:”ومحمود الذي كنت تكلمينه بالأمس في الشرفة؟”
شعرت أن ثقبا في الغرفة انفتح ليبتلعني،لكنها طلبت مني أن أشركها فيما أحمله من عبء ثقيل فربما أستطاعت مساعدتي.
وبدون تفكير ولا خوف ارتميت في حضنها كقط وجد الأمان من بعد جوع وخوف وبرد،وسبقتني دموعي تروي لها ما أعاني من شوق ووجد وانتظار قاتل،وكانت الأذن المصغية،والقلب الرؤوم،والفؤاد الذي تأثر بصدق كلماتي ،ورأيت دمعا في مقلتيها سارعت لمسحه على عجل.
ثم طلبت مني أن أهدأ حتى تتدبر الأمر دون أن تعلمني كيف سيكون ذلك مما زاد لهيب قلبي ترقبا لما سيحصل.
مضى الوقت متلكئا،متباطئا كأنما هو شامت في حالي تطل علي الدقائق والثواني من عقاربها متباطئة .هازئة مما أنا فيه.
وأخيرا جاء الفرج مع وصول والدي إذ استأذنته أمي في الخروج معي للتلقيح في إحدى المدارس بشارع الحبيب بورقيبة.
زفت لي عيناها البشرى ،فسارعت للاتصال بحبيبي لأعلمه باللقاء القريب،فقال أ نه في نفس المكان من اجل نفس الغرض.
وقال مازحا:”إياك أن تحضنيني .
تورد خداي خجلا، وبدأت سحائب الكآبة تحزم رحالها وتغادر وجهي وجسمي شيئا فشيئا،وحل محلها نشاط غير معهود،فغيرت ملابسي بسرعة وحرصت على ارتداء تلك التي كنت ألبسها في أول لقاءلي مع حبيبي .وتركت شعري ينسدل على كتفي.ولبست معطفي لأن رذاذ المطر قد ترك آثار قبلاته على شرفة غرفتي.
أشرت لأمي بالانطلاق،فنظرت لي بعين التعجب على سرعة استعدادي التي لم تتعودها مني أيام الدراسة فتبسمت بفرح لا يوصف.
نزلنا من العمارة التي نسكنها،وكأنني طائر قد فر من قفص يكبله ويكتم تغريده طول هذه المدة الرتيبة.وأطلقت زفرة جمعت بين الفرح وشوق دفين ثقيل،وبين التعبير عن الروتين الذي قيدني،ونفاذ صبري في انتظار الموعد.
أعلمت أمي بمكان تواجد محمود،ومشينا هي على مهل وأنا أحث الخطى ،تارة وأتبعها أخرى لأداري ما بي من شوق وحنين.
ها نحن نقترب من المكان المقصود.
أين أصوات الباعة؟وضحكات رواد المقاهي؟ومديح بائعي الورد لزهورهم؟أين الأغاني الراقصة المنبعثة من المحلات؟هل المدينة تلفظ أنفاسها الأخيرة؟
بخطوات كئيبة قطعت المعبد،وقد شعرت بوخ زات في قلبي لا أعلم ماهي لكنني بررت ذلك من خوفي من التلقيح.
وأخيرا هانحن نشق الزحام وعيناي تقومان بمسح للمكان بحثا عن محمود .بعض خطوات تفصلنا على مكتب التسجيل. .
يا إلاهي!هاهو حبيبي بنفس الملابس التي التقينا بها أول مرة يهب لاستقبالنا،فحيانا بكل أدب.
ومن فرط شوقي له تمنيت أن أحضنه بحرارة الملتاع فألف ذراعي حوله وأدور دورات تعبر على ما بي من شوق.كانت نظراتنا تروي عذاب البعد والانتظار..وفجأة تغيرت ملامحه وعض شفته السفلى..
وسقط أرضا مغمى عليه.ارتج المكان لصياحي وأمسكتني أمي بقوة حتى لا ألمسه خوفا من العدوى وسارع الممرضون في محاولة انعاشه…والبقية يبعدون الجموع التي بث فيها الحادث الرعب والحزن.وقاموا بتعقيم المكان…وسمعت أحد الأطباء يقول “البقاء لله.مات الشاب”.
وبسرعة ،غطوه بملابس بيضاء وحملوه في سيارة الإسعاف التي انطلق صفيرها كنحيبي المدوي في أرجاء المدينة التي تعيش حدادا متواصلا هذه الأيام.
بعد وقت لا أعلمه،فتحت عيني على صوت أمي تقول حمدا لله وأبي رافعا كفيه إلى السماء ودمعة غليظة على خده.
مات الحلم وترك جرحه عميقاإلى اليوم.
