
السعى وراء المستحيل
بقلم الدكتورة / رضوى إبراهيم

إن المشاكل التى تواجه الأطفال اليوم قد تخطت في خطورتها تلك التي كنا نواجهها، بالإضافة إلى مشكلاتهم التقليدية مثل الهرمونات ومشاكل البلوغ عمومًا ومشاكل الأسرة ، فضلًا عن مشاكل المخدرات والعنف ومشاكل الجنس ومخاطر الإصابة ببعض الأمراض النفسية .
وما يزيد من فزع الكثير منا هو قلة الحيلة أمام مثل هذه المشاكل الاجتماعية الجديدة .
ونجد أنفسنا وبدافع من غرائزنا الأبوية الطبيعية ، فإننا لا نتوقف أبدا عن محاولة حماية أبنائنا من شرور العالم . وعلى الرغم من استحالة هذا ، فإننا لا نكف عن المحاولة . ويذكرنا هذا بالأسطورة الإغريقية ” سيزيف ” الذى حكمت عليه الآلهة حكمًا أبديًا بأن يدفع حجرًا الى أعلى الجبل حتى إذا ما وصل للقمة يسقط الحجر مرة أخرى مندفعًا لسفح الجبل . فنحن نسعى لحماية أطفالنا من ضغوط العالم ، ولكن قد تعصف هذه الضغوط بكل جهودنا .
هل أصابك الاكتئاب الآن ؟ أرجوك لا تدعه ينال منك . فقد ساور جميع الأجيال القلق بخصوص مدى تأثير الثقافة العامة على الأطفال . فخاف علينا آباؤنا من تأثير ” التدخين سواء السجائر أو تعاطي المخدرات وموسيقى “الروك أند رول” . وكان آباؤهم قلقين علينا من العديد من الأشياء الآخرى التي كانت موجودة فى محيطهم الثقافي حينذاك ، لذا فليس للعبارة المتداولة ” زمن الماضى الجميل ” أى أساس من الصحة ، وإنما هى مجرد مفهوم وهمي اخترعناه ونحن فى غيبة إدراك لمعناه .
ومع هذا يتعرض أطفالنا للتأثيرات السلبية فى مرحلة مبكرة وبشكل ثابت . فقد أصبح مجتمعنا أكثر عنفًا لدرجة أنه لم يعد يدهشنا سماع تقارير إخبارية مزعجة عن إعتداءات عنيفة من جانب بعض الأطفال وبشكل أكثر عدوانية على زملائهم أو زميلاتهم بمدارسهم وبدون أسباب معقولة تبرر قيامهم بهذه التصرفات العدوانية العنيفة . فقد تركت البرامج التلفزيونية والأفلام والكمبيوتر وألعاب الفيديو المنتشرة على طراز ” اقتلهم جميعًا رميًا بالرصاص ” – تأثيرا خطيرًا على عقلية الأطفال بشكل كبير ، مما أسهم فى تقليل حساسيتهم للعنف ، وذلك عن طريق الوصف التصويري لمشاهد الموت والدمار ، هذا بإلإضافة إلى كلمات الأغاني التى تمجد مفهوم العنف واستغلال المرأة بأشكال مسيئة فى واقع الأمر ،فبراءة الأطفال تبعث على الراحة ، وتعيد لنا بشكل ما الثقة بهذا العالم مرة أخرى ، فهى تؤكد لنا وتذكرنا أن الحياة أكبر من أن تكون مجرد السعى وراء المال أو الشهرة أو السلطة . فعندما نتعمق داخل أعين أطفالنا البريئة ، نتلمس شيئا من براءتنا نحن ، أو على الأقل ما تبقى منها . هذه النظرة تجدد لنا الأمل وتجعلنا نرى العالم بصورة جديدة وكأننا نراه لأول مرة .
فياله من مجتمع ظالم هذا الذى يدفع الأطفال أن يتخلوا عن براءتهم قبل الأوان !! لكن للأسف فإن هذا هو الحال مع مجتمعنا ،فالموسيقى ، والأغاني ، وإعلانات السجائر ، وأغلفة المجلات الإباحية، وأدوات التجميل للفتيات الصغيرات ، واتباع خطوط الموضة تعمل جميعًا على تحطيم براءة أطفالنا . وتدفع هذه المؤثرات أطفالنا بشتى الطرق تجاه النمو بصورة أسرع من الوضع الطبيعي لنموهم .
هذا وتقول إحدى المتخصصات فى هذا المجال البحثي : ” إن الأطفال أثناء مراحل نموهم يمرون بتجارب معقدة تفوق قدرة عقولهم الصغيرة على استيعابها ، مثل الرغبات الجنسية والعنف واكتساب الخبرة الحياتية . وقد نرى كنتيجة لهذا أن ظاهرة أرتداء الأطفال ملابس حسب أخر خطوط الموضة ، ومحاولتهم الظهور بشكل جذاب فى ازدياد مستمر ، وبالطبع فإن هذا لا يلائم مراحلهم العمرية ” .
إن الآباء فى صراع مستمر مع وحش الإعلام الضخم ، فحيثما يتجه الأطفال ، يجدون صورًا مثالية للراشدين تضع مقاييس للجمال وكيف تكون ” جميلًا ولطيفًا ” . فقط ألق نظرة على غلاف إحدى مجلات المراهقين ، فغالبا ما ستجد صورة فتاة جميلة رشيقة بصورة ملفتة تنظر إليك ، والتى تمثل النموذج الجسدي المثالي الذي يحتذيه أطفالنا . ولتلك الحالة مسمى لدى الكاتبة الامريكية ” ناعومي وولف ” وهو ” أسطورة الجمال ” وهى الإيمان الصادق بإن الإنسان لا يمكن أن يكون سعيدًا بدون أن يكون جميلًا . والأكثر تأثرًا بهذه الأسطورة هم الأطفال بالطبع ، فهم لا يدركون أن مثالية الشكل هذه لعارضة الأزياء أو الممثلة المفضلة لديهم هى نتيجة طبيعية لإحدى جراحات التجميل أو ما تلتزم به من أنظمة غذائية قاسية .
وقد أجرت المجلة الامريكية “ Psychology Today “ عدة دراسات حول شعور الناس بالنسبة لشكل أجسامهم . ففى عام ١٩٧٢ ، كانت نسبة ٢٣٪ من السيدات الأمريكيات غير راضيات عن شكل أجسامهن ، ولكن بحلول عام ١٩٩٨ ارتفعت هذه النسبة لتصل الى ٥٦٪ . إذا فطالما أن الناضجون يؤمنون بأسطورة الجمال هذه ، فلماذا نعجب عندما يفعل الأطفال نفس الشىء ؟
تعلق متخصصة جراحات التجميل ” بولا موينهان ” البارزة بمدينة ” نيويورك ” على هذا الموضوع قائلة : ” إن هوس المراهقين بالوصول الى مثالية الشكل الجسماني نابع من ضغط الأقران ، حيث إنهم يقعون تحت تأثير كمية الرسائل اللانهائية التى تبثها لهم وسائل الاعلام الحديثة ، سواء فى صورة مطبوعات على شبكة الإنترنت أم إعلانات أم أفلام . وبناء على هذا ، فإن الضغوط عليهم كي يكونوا صورة الطبق الأصل من النموذج المركب للجمال منتشرة بشكل يصعب السيطرة عليه ” .
فما يحاول أن يهتدي به الأطفال هو مجرد سراب ، ورغمًا عن هذا فهم لا يكفون عن المحاولة . والأطفال الصغار ممن يبلغون حوالى الثالثة عشر يخوضون تجارب غريبة ، مثل تعطيل نموهم ، وإعادة تشكيل أجسامهم سواء بالزيادة أو التخسيس أو الجراحة ، وذلك بمعدلات مزعجة . فقد أكدت الجميعة الامريكية لجراحات التجميل أن أطباء التجميل أجروا ٢٤،٦٢٣ عملية تجميلية للمراهقين عام ١٩٩٨ ، وهذا الرقم يمثل تقريبًا ٢٪ من مجموع عمليات التجميل االتي تم اجراؤها بالولايات المتحدة . وتعد جراحة تعديل شكل الأنف هى الجراحة الأكثر انتشارًا بين الشباب ، يليها جراحات الأذن ، ثم تكبير الصدر وتصغيره ، وأخيرًا عمليات شفط الدهون .
وليست الجراحة هى السبيل الوحيد أمام الأطفال للوصول الى أسطورة الجمال ، فحوالى ١٪ من إجمالى الإناث المرهقات يعانين من اضطرابات غذائية ، ويقوم بعض الأطفال بتجويع أنفسهم بشك خطير . وقد وصفت إحدى البنات صراعها هذا بشكل مؤلم وموجع فكتبت تقول : “فقدان الشهية هى النتيجة القاتلة لفتيات يسيطر عليهن هوس النحافة الشديدة .”
لذا فإن الهلاك هو المصير الذى ينتظر الأطفال الساعين وراء أهداف غير واقعية . فالثقافة السائدة تولد لدى الأطفال الرغبة فى السعى وراء المستحيل . لذا فلا داعى للدهشة حينما نرى أطفالنا يسيرون فى هذا الاتجاه الذى قد يقودهم الى طريق مسدود .
ويدرك أطباء الأمراض العقلية والنفسية جيدًا أن تطور المشاعر والأحاسيس هى أكثر مراحل النمو تعقيدَا . ذلك لأن المشاعر لها توقيتها وإيقاعها لا يمكن الإسراع في معدلها .
فالنمو العاطفي على درجة كبيرة من التعقيد والصعوبة فى جميع الظروف ، ولكنه قد يكون أكثر تعقيدًا وصعوبة عندما يوحي لنا شكل وسلوك الأطفال بإنهم راشدون ، بينما تؤكد لنا مشاعرهم أنهم أطفال .
والنتيجة تكون وجود أطفال مضطربين نفسيًا .