الغرابة .. حول معناها و تجلياتها في حياتنا الأدبية
بقلم الدكتورة/ رضوى إبراهيم
الأكثر غرابة من الغرابة نفسها أن تتحول الأشياء، الغريبة إلي أشياء عادية مألوفة .
الغرابة ضد الألفة .. نوع من القلق المقيم ، حالة بين الحياة والموت ، التباس بين الوعي وغياب الوعي، حضور خاص للماضي في الحاضر ، وحضور خاص للآخر في الذات ، قلق غير مستقر بين الزمان والمكان ، إفاقة ليست كاملة ، حالة حدودية ، تقع بين انفعالات الخوف والرهبة والتشويق وحب الاستطلاع والمتعة والطمأنينة والتذكر والرعب والتخيل والوحشة والالتباس والفقدان لليقين :
مازال الغموض يلف معني الغرابة ، أدرك ذلك جيدا ، فماذا نقصد بالغرابة أذن ؟
الغرابة نوع من الخيال ، لكنه الخيال المرتبط بالخوف وانعدام الأمن والوحشة والتوجس . إنه باختصار : خيال الوحشة ، وليس خيال التفاؤل والبهجة وأحلام اليقظة ، وسرعة تحقق الأمنيات في خيال البهجة . أو ما يسمي “ الخيال المضيء “ . قد نفرك مصباح علاء الدين فيخرج لنا المارد منه ويحقق لنا المستحيلات ، أما في خيال الغرابة ، أو ما يسمي “ الخيال المعتم “ ، فإن ذلك المارد – إذا خرج – سيكون مصدرا لخوفنا منه ، بل قد يقتلنا هذا الخوف أيضا . مجازيا أو ماديا ففي الحياة أنواع كثيرة من هؤلاء المردة ، يحاول الأدب والفن أن يجسدهم علي أنحاء شتي .
يكمن جوهر الغرابة في الحياة ، وفي الفن ، وفي الأدب في تلك العلاقة التي توجد بين الموت والحياة ، وكذلك في آلية التكرار ، في انتفاء الألفة وغياب الشعور بالأمن ، وحضور الخوف في الحياة . كل ما هو ضد الأمن غريب ، وكل ما هو ضد الألفة غريب ، وكل ما هو ضد الفرح غريب والأكثر غرابة من هذه الغرابة نفسها أن تتحول الأشياء ، التي كان ينبغي النظر إليها علي أنها غريبة ، إلي أشياء عادية مألوفة ..
فمثلا في إحدى قصص الكاتب التشيكي جوزيف كافكا تحول شخص إلى حشرة مخيفة مقززة ، وكانت هذه الغرابة الأولى، غرابة المظهر الخارجي ولم تكن الغرابة المقصودة في ذلك العمل الأدبي ، بل كان يكمن جوهر الغرابة في أن أسرته قد أصبحت تتعامل مع ما حدث له علي أنه شيء عادي ، لقد أصبح غير المألوف الذي حدث لابنهم شيئا مألوفا اعتادوه ، مثلما أن تصبح سكنى المقابر في بعض البلدان أمرا مألوفا بالنسبة إلي الأحياء من البشر .
والغرابة حياتية وإبداعية ، وقد تتجاوز الغرابة الحياتية الغرابة الفنية والأدبية ، والغرابة الأدبية والفنية نوعان : غرابة غير المألوف ، وغرابة المألوف..
والخوف أساسي في حدوث الإحساس بالغرابة ؛ لأنه نقيض الأمن وعدو الطمأنينة ، فقد ينتابك شيء ، يداهمك ، يراودك ، يشاغلك ، وكأنه شيء يوشك الحدوث ، وقد يحدث أو لا يحدث . ولكن ، ولأنه غامض ، غير معروف ، لا نعرف متي سيظهر ، وكيف ، وأين ؟ تتولد لدينا مشاعر الخوف منه …
مثلا : توقعك عندما تنام أنك ستري أشباحا .. فالمفهوم مرتبط أيضا بعالم الليل ؛ عالم الكوابيس والاشباح والمقابر والموت ، وكذلك كل ما هو مكبوت في أعماق لاوعينا الجمعي . ولا نعرف عنه شيئا ، أو نعرف عنه بعض الاشياء ، ولكننا لا نعرف متي يظهر ، فإذا ما ظهر كان غريبا ، لكن الغرابة ترتبط أيضا بعالم النهار : اليقظة ، بكل ما هو يزخر به هذا العالم من خوف وفقدان للأمن ، وموت كامن أو ظاهر في الحياة .
من الواضح هنا أن “ الغرابة “ ليست مصطلحا أحادي البعد ، بسيط المعني ؛ بل إنه مصطلح متعدد الأبعاد ، مركب المعاني ، متنوع الدلالات ، وإن من معانيه : حضور الموت في الحياة وحضور الحياة في الموت ، و أيضا ظهور المألوف في سياق غير المألوف ، ظهور المألوف من الافكار والتصورات والانفعالات القديمة التي اعتقدنا أننا تجاوزناها أو كبتناها ، ظهورها الآن ، في الحاضر ، في سياق زماني ومكاني غير مألوف لظهورها وهذا هو المعني الذي أطلق “ فرويد “ عليه مصطلح : “ عودة المكبوت “ ، ومن معانيها : ظهور غير المألوف في سياق مألوف ، ظهور أشباح الماضي وأفكاره وسلوكياته في الحاضر وربما المستقبل ، ظهور غير المتوقع …
هذه الحيرة المعرفية والالتباس الذي لا نعرف معه ، ما إذا كان شخصا ما حيا أو ميتا ، هي أيضا أحد المعاني الخاصة للغرابة ..
وقد يكون من الضروري تحديد مفهوم الغرابة هنا لمعناها تحديدا لغويا وفلسفيا وسيكولوجيا وتفرقته بين معان أو مفاهيم أخري تلتبس معه ، وكثيرا ما يخلط الناس – وكذلك النقاد – بينها وبين مفهوم الغرابة ، ولعل أهم هذه المفاهيم ، الغربة والتغريب والاغتراب :
فالغربة Uncanny : هي غربة عن المكان بالسفر ، أو النفي ، أو الهجرة ، لكنها قد تكون أيضا غربة في المكان كما كانت حال أبي حيان التوحيدي في حديثه عن الغريب بين أهله ، وفي وطنه ؛
أما التغريب : فهو تكنيك فني أشار إليه الشكلانيون الروس واهتموا به ، كما فعل شكلوفسكي وزملاؤه – وقد استخدمه أيضا الكاتب المسرحي الألماني المعروف برتولت بريشت كي يكسر فكرة الإيهام الارسطي في المسرح . ؛
ثم يأتي مفهوم الاغتراب Alienation: وهو تلك الحالة من فقدان السيطرة علي الذات وقدراتها وملكاتها عندما يصنع الإنسان شيئا معينا -آلة مثلا – ، أو نظاما أو فكرة … إلخ ، ثم يجد أنه بدلا من أن يسيطر علي ما صنعه ، يصبح ما صنعه مسيطرا عليه ، وهكذا يتحول السيد إلي عبد ، والعبد إلي سيد ..
ولذا نستطيع أن نتعرف بشكل آكثر تركيزا علي مفهوم الغرابة من الخصائص المميزة “ للغرابة ذاتها “ وهي :
1 ( الغرابة إحساس حياتي ، وإحساس جمالي أيضا ، خبرة حياتية تتعلق بالانفعال المترتب علي وجود شيء غريب ، مخيف أيضا غير مألوف ، وقد تثير الرعدة والرعب ، ويمكن أن يوجد في الأدب ، وفي الفن ، وفي غيرهما أيضا .
2 ( يتم الشعور بالغرابة في المواقف التي تبدو كأنها جديدة ، لكنها التي تعود بنا وتذكرنا – مع ذلك – بمواقف سابقة مألوفة ، وهكذا تكون مواقف الغرابة أشبه ما تكون بالعودة والتكرار لمواقف أليفة قديمة ، ربما تم كبتها أو نسيانها سابقا .
ترتبط الغرابة كذلك بالتكرار ، تكرار المواقف والمشاعر والافكار ، ويكون التكرار الملازم لمواقف الغرابة لا إراديا ، في أغلب الأحوال (3 .
4 ) يكون الشعور بالغرابة أكثر احتمالا في المواقف المالوفة ، والواقعية ، حيث تكون القوة الحتمية المخيفة المحيطة بالوضع الواقعي قوي ، أما “ خيال الغرابة “ فهو خيال يحبط الرغبات ، يدمرها ، يعوق تدفقها ويقتلها ؛ ومن ثم فإنه قد يجسد الغرابة بشكل يفوق تجسيداتها في الحياة .
ومثلما قال “ فرويد “ ، ُإن الأدب يكون الأيسر لخلق التأثيرات الخاصة بالغرابة – خاصة – عندما نكون موجودين ضمن نطاق الواقع ، وليس خارج حدوده ، أي ليس في عالم ما وراء الطبيعة ، والكائنات الخارقة .
وقد ميز “ فرويد “ بين الغرابة في الحياة اليومية العادية والغرابة في الأدب ، وقال : إن الأعمال الأدبية لا تتعامل كلها مع موضوعات غريبة ، وإنه ليس كل ما في الحياة العادية يمكن أن يكون غريبا ، حتي لو كان ذلك متعلقا بأمر خيالي ، فالحكايات الخرافية – كما قال – حكايات خيالية في الحياة اليومية العادية يحكيها الناس ، وقد يعتقد البعض صدقها ، وبخاصة الأطفال والبدائيون ، لكنها أيضا ليست غريبة ، فهي لا تستثير تلك المشاعر الخاصة بالارتباك أو الاضطراب ، حيث يعلق الأفراد الحكم المنطقي أو يوقفونه مؤقتا وهم يستمعون إليها ، كأنهم يصدقونها ، يصدقون تحول “ الضفدع “ إلي “ أمير “ – مثلا – لكنهم لو تشككوا في مصداقية ذلك ، فإنهم سينتقلون من حالة الإيقاف للتصديق إلي حالة التكذيب أو الشك فيما يشاهدونه أو يسمعونه ، هنا يقتربون أكثر من عالم الغرابة .
لكن ما يؤكده “فرويد “ أكثر هو أنه عندما يفترض القاريء أن الكاتب ما هو إلا صانع لعالمه السردي وينشئه علي أسس تتعلق بالحياة الواقعية ، فإنه تزداد احتمالات ظهور الغرابة لدي شخصياته ، وكذلك لدي القاريء ، مقارنة بتشكيل ذلك الكاتب لعالمه علي أسس من الحياة الخيالية ، وبالتالي يصبح النص الأدبي أكثر غرابة وأكثر ثراءا وتركيبا من الغرابة التي في الحياة ، وذلك لأنه يقدم الغرابة التي في الحياة مضافا إليها ، ومصحوبة ، أيضا بتلك الغرابة التي يقدمها السرد والخيال .
وقد نخلص في الختام لما جاء به هيدغر في تحديده وفهمه للغرابة ذاتها :
فيري “ هيدغر “ أن كل ما يدفعنا ويلقي بنا بعيدا عن بيوتنا ، بعيدا عن عالمنا ، بعيدا عن كل ما هو مألوف ومعتاد وآمن ، كما أن الغريب عن البيت Unhomely غير المألوف ، هو أيضا ما يعوقنا عن الوجود في بيتنا ، وأن أكثر الموجودات غرابة هو الإنسان نفسه ، وأن الكون نفسه بكل كائناته غريب ، وليس هناك من بين هذه الكائنات ما هو أكثر غرابة من الإنسان . ولا يرجع ذلك فقط إلي أنه يقضي حياته وسط كل هذه الغرابة الموجودة بهذا المعني ، أي وسط كل ما هو غير مألوف ومخيف ، ولكن أيضا لأنه هو نفسه يبعد عن كل تلك الحدود المعتادة والمألوفة الخاصة به ، وكذلك لأنه أكثر الكائنات عنفا ، الكائن الذي يتوجه دوما نحو الغريب ، نحو السيطرة أو الهيمنة وتجاوز حدود المألوف .
وعندما يصبح الإنسان غريبا ، بلا بيت مألوف ، فإنه يصبح في حاجة إلي أن “ يبني “ مكانا خاصا به ، بيتا ، مدينة ، قانونا ، كل ما يضع الأسس الراسخة لوجوده ، وهي تلك الأسس التي قد تصبح أيضا بعد ذلك ، قيودا عليه تحاصره ، ومن ثم تصبح غريبة عنه ، ويصبح هو غريبا عنها . إنه يخلق مكانه الخاص ، ويعلو فوق حالة فقدانه المآوي أو التشرد السابقة ، لكنه قد يفقد أيضا طبيعته ، حريته ، يكتب مقدمات موته ؛ ومن ثم قد يكون بيته الجديد هذا هو الشاهد الخاص الموضوع فوق قبره .
هكذا تكون الغرابة – في أحد معانيها – نوعا من المواجهة بين الآلفة الاجتماعية الحالية والعزلة القديمة المكبوتة أو الغريزية .
هي أذن .. تلك العودة ، لما كان مكبوتا داخل اللاشعور الفردي أو الجمعي ، العودة التي هي جوهر عملية المراوغة ، أو تكرار الزيارة ، العودة التي تحمل معها أشباح الماضي وظلاله ، بالمعني المخيف السلبي المهدد للاستقرار ، والمعني الإيجابي أيضا المرتبط بالابداع ، فقد يكون معني الغرابة سلبيا ، لمن هم مستقرون اجتماعيا ؛ وذلك لآنه قد يتناقض مع أفكارهم وانفعالاته الراهنة ، وقد يكون إيجابيا – كذلك – لأنه قد يحمل معه قوة إبداعية تدفع نحو التغيير الاجتماعي الراكد ، والمعتم والمضطرب .
