المعطف بوصفه ذاكرةً مؤجَّلة
قراء لقصة «المعطف» للأديب العراقى عدنان الدوسيرى
بقلم الناقدة / فاتن محمد علي
لا يُقرأ نص «المعطف» بوصفه حكاية حنين أو استدعاءً عاطفيًا لدفء مفقود، بل باعتباره كتابة عن الاغتراب حين يتحوّل من ظرف خارجي إلى حالة داخلية مقيمة، تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وذاكرته، وبين الجسد والمكان. فالبرد في هذا النص لا ينحصر في قسوته المناخية، بل يتخذ هيئة شعورية نافذة، تسكن العظم، وتستقر في اللغة، وتعيد تعريف معنى الانتماء.
الشتاء هنا ليس فصلًا عابرًا، بل بنية دلالية كثيفة، تُسقَط عليها تجربة الاقتلاع. موسكو لا تظهر بوصفها مدينة، بل فضاء رمزيًّا محايدًا ظاهريًا، معادلاً لمنفى صامت، حيث الرطوبة تعرف كيف تطيل مقامها، كما تطيل الغربة إقامتها في النفس. حتى الجدران تئن، لا كمادة جامدة، بل كذاكرة مكانية تشارك الذات الساردة وحدتها، وتؤكد أن العزلة لا تخص الإنسان وحده، بل تتسرّب إلى محيطه.
يؤسس النص منذ بدايته لعلاقة متوترة مع الصوت. إغلاق الباب «بصمت مقصود» ليس تفصيلًا سرديًا عابرًا، بل فعل رمزي يشي بمحاولة حماية ما تبقى من دفء الذاكرة من التبدد. فالصوت هنا تهديد، والضجيج احتمال لزوال الماضي، وكأن الذاكرة كائن هشٌّ، يمكن إيقاظه أو جرحه بحركة غير محسوبة. غير أن النص يقترح، في عمقه، أن الذاكرة لا تحتاج إلى ضجيج كي تستيقظ؛ يكفيها ملمس معطف، أو أثر ثلج، أو ضوء ممر خافت.
المعطف، بوصفه عنوانًا ومركزًا دلاليًا، يتجاوز وظيفته النفعية ليغدو مستودعًا وجدانيًا، تختزن فيه الذات ما لم يعد قابلًا للاستعادة الواقعية. الثلج العالق به ليس مجرد أثر مناخي، بل علامة على رحلة طويلة من الاقتلاع، وحين يُمسَح، لا يزول البرد، لأن مصدره لم يعد خارجيًا. هكذا يتحول المعطف إلى وسيط بين زمنين: زمن دفء أول، وزمن عيش مؤجل، يتغذى على الذاكرة أكثر مما يستند إلى الحاضر.
المرأة في النص لا تُستدعى بوصفها شخصية مكتملة الملامح، بل بوصفها حضورًا رمزيًا يتجسد في الصوت أولًا. غياب الاسم والتفاصيل ليس نقصًا، بل استراتيجية سردية واعية، تجعل منها تمثيلًا للدفء ذاته، لا لشخص بعينه. سؤالها البسيط: «هل تشعر بالبرد؟» ينفتح على أفق تأويلي واسع، إذ لا يحيل إلى برودة الطقس بقدر ما يكشف عن هشاشة الوجود في المنفى. الإيماءة التي يجيب بها السارد ليست عجزًا عن الكلام، بل اعترافًا صامتًا بأن البرد أعمق من أن يُقال.
الاحتضان، رغم اكتماله الحسي، لا يحقق الخلاص. فالارتعاش يظل مقيمًا، لا لقصور في الدفء، بل لأن الفقد أطول من أن يُعالج بلحظة حنان. هنا يلامس النص منطقة دلالية دقيقة: استحالة التعويض الآني عن خسارة ممتدة. اللغة نفسها تتراجع، وتستكين «عصافير الكلمات»، في إشارة إلى عجز التعبير أمام فائض الشعور، وإلى لحظة صمت تتقدم فيها التجربة على القول.
الانقطاع المفاجئ للحلم لا يعمل كقطع تقني فحسب، بل كعودة قسرية إلى واقع منزوع الدفء. زميل العمل، العشاء، الضوء المختلف، كلها عناصر تعيد تثبيت الذات في زمن يومي لا يمنح للحنين إلا هامشًا ضيقًا. ومع ذلك، يحتفظ النص بإيمانه الرمزي؛ فالمعطف لا يُخلَع بوصفه عبئًا، بل يُعلَّق قرب الباب، في موضع بينيّ، يشي برغبة في الاحتفاظ بالذاكرة دون الاستسلام لها.
في هذا الفعل الرمزي الأخير، تتبلور رؤية النص: الذاكرة لا تُلغى ولا تُستعاد كاملة، بل تُدار بحذر. تعليق المعطف قرب الباب اعتراف بحاجة الإنسان إلى ما يقيه، لا من برد الخارج فحسب، بل من قسوة التكيف مع عالم لا يتيح دفئه بسهولة. أما الأمل، فلا يُربط بعودة الغائب، بل بتعلّم طقس الفتح البطيء، فتح الأبواب دون أن يتسلل المنفى إلى القلب.
بهذا المعنى، يشتغل المعطف بوصفه رمزًا وجوديًا معاصرًا، لا بوصفه علامة فقر أو قهر اجتماعي كما فى قصة «جوجول»، بل كحدٍّ هشٍّ بين الداخل والخارج، بين الكرامة والافتقار، وبين ما تبقى للإنسان من دفء، وما يضطر إلى حمله ليستمر. إن «المعطف» نص يكتب الاغتراب لا بوصفه فقد المكان فحسب، بل فقد الاستقرار، واستبداله بذاكرة معلّقة قرب الباب، تنتظر لحظة فتح أكثر رحمة.
