
الملل طريق إلى النجاح
بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم- استشاري نفسي

عادةً ما نسمع عبارات مثل “لقد مللت” أو “ليس هناك ما أفعله” من الأبناء، وتعد هذه من أكثر العبارات التي نسمعها منهم ولا يتوقفون عن تكرارها، على الرغم مما يقدمه الآباء طوال الوقت من أنشطة متنوعة ومختلفة ليختاروا من بينها. ومع ذلك، يظل الأبناء غير راضين ودائمين الشكوى، ويبدو أن الآباء الذين يبذلون أقصى جهد لتوفير الأنشطة والفرص العديدة لأبنائهم هم الأكثر معاناة من تلك الشكاوى.
من الواضح إذن: أن الأطفال الذين لديهم فرص كثيرة واختيارات وأنشطة متنوعة متوفرة لديهم يميلون أكثر إلى الشعور بالسأم.
السبب هو: أن هؤلاء الأطفال اعتادوا التسلية في كل لحظة يعيشونها، وهم يتنقلون من نشاط لآخر بعد قضاء وقت قصير جدًا في مزاولة أي نشاط يمارسونه. كما أن جدولهم اليومي يكون مكتظًا بالأنشطة المتعددة، مثلهم مثل آبائهم تمامًا.
لكنهم وبمنتهى البساطة يشعرون بالملل والسأم والانزعاج واليأس من إيجاد شيء يمكنهم القيام به.
في حقيقة الأمر، أن هناك الكثير من الأولاد الذين يشعرون أنهم لا يستطيعون الحياة بدون هاتف في يدهم، أو تلفاز، أو سماعات على آذانهم يستمعون إليها من خلال الهواتف التي ينشغلون بها في كل لحظة. أضف إلى ذلك جهاز الكمبيوتر أو ألعاب الفيديو التي تأخذ كل انتباههم ولا يمكنهم الاستغناء عنها أو الابتعاد عنها لبعض الوقت.
ويلجأ بعض الآباء إلى العثور على حلول لهؤلاء الأبناء بإعطائهم أفكارًا جديدة ليقوموا بها للتخلص من السأم والملل.
والمدهش في الأمر أن أبناءنا يرفضون اقتراحات وأفكار الآباء كليًا -ومع هذا- وحتى نكون على وعي ودراية بأننا نواجه مشكلة أو مأزقًا أكبر من هذا، فإن الرفض الصريح الذي نتلقاه من أبنائنا يعنى:
أننا -وعلى المدى البعيد- نساهم في إيذاء هؤلاء الأبناء عندما نتطوع بإعطائهم حلولًا أو اقتراحات وأيضًا عندما نمدهم بالوسائل والأفكار التي تجعلهم منشغلين دائمًا، فإننا بذلك نزيد من تفاقم المشكلة. إذ إننا نؤكد لأطفالنا أنهم يحتاجون شيئًا ما ليفعلوه في كل لحظة يعيشونها.
وقد لا يكون عاجزًا كثيرًا عن إيجاد حل رائع يعجب به الأطفال الذين أصابهم الملل أو السأم:
فعندما يردد الابن الذي يقول “إنني مللت”، يمكنك الرد عليه بقولك:
“عظيم… فليصيبك الملل”،
بل يمكنك أن تقول له: “من الأفضل لك أن تصاب بالملل أحيانًا”
ومن المؤكد أنك لو جربت هذا الأسلوب عدة مرات مع أطفالك، فثق تمامًا أنهم سوف يقلعون عن الاعتقاد بأنك أنت المسؤول عن تسليتهم بشكلٍ متواصل أو مستمر.
بل أيضًا هناك فائدة كبيرة قد لا نراها لأول وهلة وهي:
أنك تشجع الابتكار في نفوس الأبناء عن طريق دفعهم إلى اكتشاف الأشياء بأنفسهم، بل وتزيد من قوة تفكيرهم الإبداعي أو قدراتهم الإبداعية التي تمكنهم مستقبلاً من التعامل الجيد في إيجاد طرق جديدة في حل مشاكلهم في حياتهم العملية.
أنا هنا لا أقترح أن تتبع هذا الأسلوب بشكل مستمر، أو ألا نقوم بدور فعّال في الأنشطة التي يشارك فيها أطفالنا.
ولكنني أشير هنا إلى الاستجابة للمعنى العميق أو الأساسي لفهم هذا الموضوع وهي:
أنه عندما ندرك تمامًا أن أطفالنا لديهم أشياء كثيرة يفعلونها، وأن سبب مللهم أو سأمهم هو تعدد هذه الأنشطة وليس قلتها، فمن الضروري إذن أن ننتبه إلى حاجة ملحة لتغيير الأساليب الحالية التي لا تُعطي نتائج مرغوبة لهم أو لنا.
وعندما نعتاد على ممارسة هذا الأسلوب مع أطفالنا، ونعمل معهم على تحديد أسباب الملل الذي يشعرون به، فإن هذا من شأنه أن يُساعد في تعليمهم حقيقة هامة وهي:
أنه ليس من الخطأ ألا يكون هناك شيئًا يفعله الشخص في كل لحظة في يومه أو حياته. هذا مبدأ أساسي في الحياة نتعلمه وعلينا تقبله بصبر وهدوء مع أنفسنا.
فليس هناك ضرر أو ضير من الإصابة بالسأم أو الملل لبعض الوقت في حياتنا، فقد يفتح لأطفالنا آفاقًا جديدة ومبتكرة تغير من عالمنا إلى الأفضل.