النافذة التي اختنقت فيها السماء

WhatsApp Image 2026 02 11 at 8.23.13 PM

النافذة التي اختنقت فيها السماء

بقلم الكاتبة/ عبير يحيى 

WhatsApp Image 2026 02 11 at 8.24.26 PM



لم أفتح النافذة، لكنّها ابتلعتني!

كنت أجلس على طرف السرير حين شعرت أن الزجاج يرمش، مرّة ببطء، ومرّة كأنّ عينه تدمع. لم يتحرّك الهواء، لكن الستائر كانت ترتجف. ربما كانت السماء تتنفس من خلالها، أو ربّما كنت أنا التي أختنق.

صوت خافت- يشبه أنين والدتي حين كانت تنزع الخبز من الفرن بحذر- خرج من فاصل النافذة.

ثمّ بدأ صوت ماكينة الخياطة القديمة ينسلّ من تحت الزجاج، يجرّ الخيط على نسيج لا يُرى، يُخيط شيئًا بداخلي، شيئًا نُسيت أطرافه.

مددتُ يدي، لامستُ برودة الزجاج كمن يربّت على جبين مريض فقد الزمن. 

شعرت أنّ شيئًا ما هناك ينتظرني، لا ليدخل، بل ليأخذني خارجًا.

قالت النافذة بصوت يشبه صرير الذاكرة:

“هل تتذكرين الشقَّ الذي في ركبتك؟

الظلّ الذي كان يمشي خلفكِ في الممر؟

الرائحة التي اختبأت تحت الوسادة؟”

صمتُّ.


ولم يعد لي فم!

قالت لي أمي ذات مساء:

“لا تنظري طويلًا من النافذة… بعض الزجاج يحتفظ بالعيون.”

ضحكتُ آنذاك، وها أنا الآن أرى وجهي من الجهة الأخرى… ولا أعرف إن كانت هذي أنا، أم هي التي كانت تخاف عليّ.

كتب الطبيب شيئًا على الورقة، ثمّ مزّقها دون أن يقرأ.

قال:

“ما تعانين منه… ليس في الشبكية. ربّما الرؤية عندك تنبع من مكان آخر.”

سألته:

” من أين؟”

قال وهو يضع يده على رأسي:

“من هنا… أو من هناك، حيث الغائبون لا يلوّحون.”

كنت أراقب الضوء يتسلّل من الشقّ السفلي للنافذة، مرّة يشبه لثغة الغائب حين كان يتهجّى اسمي، ومرّة يشبه بقعة دم صغيرة على منشفة أمي.

 

اليوم لم تقل النافذة شيئًا.

لكن الستارة كانت تكتب شيئًا بإصبع الريح.

اقتربتُ، فرأيت سطرًا مائلًا بالهواء:

“عودي… لقد نسيكِ الغائب في الجيب الخلفي لسرواله.”


في الممرّ الطويل، حيث كانت أمّي تمسح البلاط كلّ صباح، سمعت صوت خيطٍ يُسحب بقوّة! كان الطبيب يخيط اسمي على سوار بلاستيكي، قال:

“عند الطوارئ… لا نكتب الاسم، بل الجرح.”

 

أتذكّر الغائب حين قال لي:

“حين أعود… لا تفتحي الباب، بل انظري من النافذة.”

أغلقت النافذة يومها، وتركت الباب يُغلق نفسه بهدوء.

 

يدي ليست يدي.

تذكّرني بيد أمّي حين كانت تغطّيني وتقول:

” نامي ولا تفكّري، فالأفكار كالهواء… إن أطلتِ التنفّس بها، خنقتكِ.”

وأنا… منذ تلك الليلة، لم أعد أعرف كيف أنام دون أن أختنق.

 

قال الطبيب وهو يضع السماعة على صدري:

“هناك صوت خافت… كأنّه خيطُ بكاء قديم عالق بين الضلوع.”

سألته إن كان يسمعه بوضوح،

فأومأ ثمّ تمتم:

“الذين يسكنهم الغياب… لا تُشفى صدورهم.”


كلّما لمست الوسادة، أتذكّر جديلة أمي حين تسرّبت إلى شقّ الوسادة في ليلة عاصفة.

كانت تقول:

“إن اختنق صوتي، قصّي ضفيرتي… ستتكلم عنّي.”

 

ظهر الغائب عند النافذة، لا وجه له، فقط ظلال أصابع.

قال لي دون فم:

“لم أذهب… أنا كنتُ في رأسكِ طوال الوقت.”

مدّ يده، فدخلتِ النافذة في عيني، وغرقتُ في بلّورٍ هشّ، كلّما رمشتُ انكسر.

 

في الصّباح، وجدتُ ورقة على المنضدة.

خطٌّ يشبه كتابة أمي:

“لا تنظري طويلًا في النافذة، فقد تسحبكِ وتترك العالم خلفكِ.”

بحثتُ عن صوتها… فلم أسمع إلّا صوتي وأنا أتحدّث بلسانها.

اليوم كانت النافذة صامتة، لكن انعكاسي كان يصرخ:

“لم أنم… ما زلتُ أراكَ تغلق البابَ وتختفي خلف الممر!”

 

قال الطبيب:

“إن أردتِ أن تُشفَي… اكتبي.”

فكتبتُ….

  

هل أملك صوتًا؟

غاب عني الغائب، فصرتُ أنا الغياب.

لا أعرفُ إن كنتُ نائمة…

ربّما كنتُ مستيقظة أكثر من اللازم.

لم تكنِ النافذة في مكانها، كانت في رأسي، تُفتح من الداخل، تدخل منها أصوات لا تشبه الهواء…

صوت السرير وهو يشيخ، صوت الضوء وهو يتثاءب، صوت أمي وهي تمضغُ اسمَها بصمت.

كان رأسي خفيفًا، كأنّ أحدهم أفرغه وأعاد ملأه بماء دافئ وكلمات ممزّقة.

كلّ مرّة أغمض فيها عيني، أرى حذاء الطبيب يكتب اسمي على الأرض، ثم يمحوه بمسحته الخفيفة.

الآن تتنفّس النافذة ببطء، تحاكي صدري…

كلّما شهقتُ، انكمشتْ، وحين زفرتُ، اهتزّ ظلّ الغائب على الزجاج.


أذكر أنّني كنتُ أملكُ صوتًا.

لكن منذ أن قرأ الطبيب الجملة الأخيرة من تقريره، صرتُ أسمع أفكاري بصوت أمي…

وأحيانًا بصوت فيروز وهي تغني من خلف الضباب:

“سنرجع يومًا إلى حيّنا…”

وأحيانًا بصوت النافذة وهي تُردّد لي:

“تيبطل الموج… يركض ورا الموج…”

كتبت في دفتري:

“منذ أن فقدتُ النطق، أصبحتُ قصيدة.”

لكني ما زلت أسمع نفسي تكتبها بصوت الغائب، وكأنّي أستعير هذياني منه، أو هو من يستعيره مني.


كلّ شيء حولي يشي بالحقيقة:

السرير، الجدار، كرتونة الدواء، علبة المناديل…

لكنّ داخلي كان يسير حافيًا فوق بساط غير مرئي، يركض، يتوقّف، يهمس، يبكي، ثمّ يضحك كأنّ شيئًا لم يحدث.

سألت نفسي إن كنتُ أنا من سقط، أم أنّ النافذة دفعتْني ولم تعترفْ.

في آخر الليل،  كتبت على زجاج النافذة بندى إصبعي:

“إن كنتِ أنا، فافتحيني.”

واختفيتْ. 

ميت يتنفّس

في آخر الليل، كان كلّ شيء في الغرفة يتنفّس على إيقاع صوت فيروز:

“رجعت الشتوية… وضل افتكر فيّ.”

فتحت النافذة نفسها دون صوت.

الستارة لم تكن ستارة، وإنّما يدٌ بيضاء تُلوّح لي كما كانت تفعل أمّي حين كانت تتوارى خلف الباب.

مشيتُ نحو الضوء، لحظة.. لم أكن أمشي…

كنت أذوب، حرفًا حرفًا، حتى صرتُ نغمة شفافة تهتزّ على زجاجٍ لم يعد يفصل بين الداخل والخارج.

رأيتُني من بعيد، فتاةً نائمة على السرير، يديها فوق صدرها، والنافذة تغني لها وحدها.

أردت أن أبتسم، لكنني لم أعد أملك فمًا!

في الصباح، دخل الطبيب يحمل أوراقي.

قال للممرضة وهو يشير إليّ:

“لقد استيقظت.”

فتحتُ عيني… لم تكن الغرفة غرفتي! كانت بيضاء، عالية الجدران.

لا نافذة.

لا صوت.

فقط في الزاوية، هناك مرآة مشروخة، وعلى الحائط فوق رأسي، عبارة مكتوبة بخطٍ يُشبه خط أمّي:

“الغائبون لا يرحلون، بل ينامون في ظلال الأصوات.”

وعند حافة السرير، وجدتُ وردةً ذابلة، ومبسم أركيلة… وعليه نقطة من العسل الأسود، ورائحةٌ مألوفة

تقول لي:

“كنتُ هنا… لكنكِ لم تفتحي النافذة”. 


من مجموعتي القصصية:

 ( أصداء خارج السطر).

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *