” الهراء تحت الأهرامات: عندما يتحول العلم إلى خيال إعلامي”

WhatsApp Image 2025 04 02 at 16.13.52 0d75d384

" الهراء تحت الأهرامات: عندما يتحول العلم إلى خيال إعلامي"

تقديم الدكتور / حسين عبدالبصير- عالم الآثار المصرية و مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية 

 
WhatsApp Image 2025 02 27 at 12.00.46 3124dbeb


في الأيام الأخيرة، ضجت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بخبر “اكتشاف مدينة ضخمة تحت أهرامات الجيزة”، بناءً على تصريحات فريق بحثي من إيطاليا واسكتلندا، مستخدمين ما وصفوه بتقنية رادار جديدة تجمع بين بيانات الأقمار الصناعية والاهتزازات الزلزالية الصغيرة.

هذا الخبر، رغم جاذبيته للجمهور العريض، يفتقد إلى أبسط معايير العلم الرصين، ويقع في دائرة المبالغات، بل وربما التضليل.

أولًا: أين العلم الحقيقي؟

أي اكتشاف علمي حقيقي في مجال الآثار يجب أن يُنشر أولاً في دورية علمية موثوقة بعد مراجعة دقيقة من خبراء مستقلين (peer review) ما حدث هنا هو مجرد مؤتمر صحفي وتصريحات صحفية دون ورقة علمية منشورة في أي مجلة محترمة، ودون إعلان رسمي من وزارة السياحة والآثار المصرية أو المجلس الأعلى للآثار.

ثانيًا: التكنولوجيا لا تصنع المعجزات

التقنيات الجيوفيزيائية مثل الرادار المخترق للأرض (GPR) أو التحليل الزلزالي تستطيع مسح أعماق محدودة، لا تتجاوز عشرات الأمتار في أفضل الأحوال. أما الادعاء بوجود هياكل ضخمة على عمق 2000 قدم (600 متر) فهو خيال علمي لا يستند لأي حقيقة تقنية. حتى أعمق الأنفاق في العالم لا تصل إلى هذه الأرقام بسهولة، فكيف بوجود غرف تحت أهرامات بُنيت قبل 4500 عام دون أي أثر أو انهيار جيولوجي ظاهر؟

ثالثًا: أسطورة قاعات آمينتي

الحديث عن “قاعات آمينتي” هو استدعاء للأساطير الهيرمسية والغنوصية، التي لا علاقة لها بعلم المصريات. لم يظهر في أي نص فرعوني أو بردية أثر لوجود قاعات بهذا الاسم، وكلها مجرد إسقاطات خرافية على حضارة عظيمة اعتادت على أن تكون هدفًا للخيال أكثر من الحقيقة.

رابعًا: خلط بين العلم والفضاء الخارجي!

من المثير للقلق أن أحد أصحاب هذا الادعاء، كورادو مالانجا، هو باحث معروف في مجال “الأجسام الطائرة المجهولة” (UFOs) وسبق له الظهور في برامج تتحدث عن الكائنات الفضائية. عندما يدخل هذا التوجه في الأبحاث الأثرية، يتحول الأمر من بحث علمي إلى ترويج نظريات مؤامرة وشعبوية لا تخدم الحقيقة.

خامسًا: ما الذي يقوله العلم؟

العلم الحقيقي يقول إن هناك بالفعل أنفاقًا وشبكات غرف صغيرة أسفل بعض الأهرامات، مثل بئر أوزيريس أسفل هضبة الجيزة، أو الغرف غير المكتشفة التي كشفتها عمليات المسح الحديثة. لكنها كلها تقع في حدود منطقية من حيث العمق والحجم، ولا ترقى إلى أن تكون “مدينة تحت الأهرامات”.

الخلاصة:

نحن أمام موجة جديدة من الخيال الذي يُباع على أنه علم.

هذا لا يعني أن العلم لا يملك مفاجآت، ولكن الفرق بين المفاجأة العلمية والادعاء المثير أن الأولى تأتي عبر منهج علمي صارم، والثانية تُباع على أنها “سبق إعلامي” دون دليل.

رسائل إلى كل مصري:

لا تصدق كل ما يُنشر دون الرجوع إلى المصادر العلمية الموثوقة.

ولا تنسَ أن حضارتنا المصرية العظيمة ليست بحاجة لمبالغات، بل تحتاج منّا الفخر بما هو حقيقي وإبراز ما كشفه العلم، لا ما تصنعه الخرافات.


مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *