الهموم التي تُضحك: قراءة في رواية (لا يكف عن الضحك) للكاتبة رشا عبادة
بقلم الكاتبة والروائية و السيناريست/ ريم أبو عيد
الكتاب (بيبان) من عنوانه هكذا يقولون، ولكن هذه المقولة ليست صحيحة دائما فرواية (لا يكف عن الضحك) للكاتبة رشا عبادة، لا يستطيع القارىء أن يعرفها من عنوانها الذي يحمل دلالة توحي للقارىء أن الرواية تحمل بين طيات صفحاتها موضوعا ساخرا أو مبهجا، ولكن العكس هو الصحيح فأحداث الرواية كلها قائمة على الوجع بدرجات متباينة وبأشكال مختلفة لغالبية شخوصها بدءا من بطلة الحكاية مي والتي تروي قصتها مع ابنها الوحيد شادي، مرورا بالشخصيات النسائية التي صادفتها في مشوار حياتها كشخصية كفاية وغادة وغيرهن.
تطرح الكاتبة رشا عبادة في روايتها موضوعات غاية في الحساسية والواقعية بأسلوب سردي ممتع وبتعبيرات لغوية جذابة تدل على تمكنها من اللغة ومن قدرتها على التنقل بين الأحداث برشاقة دون الإخلال بمضمونها أو قطع الحبل الواصل بين حدث وآخر.
استطاعت الكاتبة رشا عبادة ببراعة فائقة أن تصور للقارىء مدى المعاناة اليومية التي تعيشها أم لطفل من ذوي الهمم، والمعارك التي تخوضها من أجل أن توفر لابنها حياة طبيعية كغيره من الأطفال في ظل مجتمع الكثير من أفراده لا يعرفون من الرأفة والرحمة إلا النزر اليسير، بالإضافة إلى أنهم يقللون من شأن المرأة في ذات الوقت الذي يحملونها فيه ما لا تطيق من أعباء ومسؤوليات بل ويلقون عليها باللوم أيضا في حال فشل الحياة الزوجية دون النظر إلى أخطاء الزوج والنقائص الكثيرة التي تكتنف شخصيته.
واقع مرير للأسف الشديد تعيشه الكثير من النساء في مجتمعنا الراهن، تمكنت الكاتبة رشا عبادة من التعبير عنه وعن بطلاته سواء في صفحات الرواية أو على أرض الواقع.
أما عن لغة رشا عبادة فهي السهل الممتنع، لغة سلسة غير متكلفة، ولكنها في الوقت نفسه متفردة تحمل بصمة خاصة بالكاتبة يستطيع القارىء أن يتبينها من خلال التعبيرات والتراكيب اللغوية الممميزة والمتميزة.
استمتعت جدا بقراءة الرواية واستوقفتني بعض فقراتها ومنها:
صفحة 43: “يحفظني أصحاب المتاجر التي اعتدنا دخولها يوميا.. يلقبني الجميع (أبلة ماما)، المرأة التي تلف السوق تشرح لطفل أخرس ولا تشتري أي شيء!
كنت أشتري يا شادي؛ أشتريك من العالم.”
الجملة التي ختمت بها رشا عبادة الفقرة في رأيي أنها عبقرية جدا في وصف مشاعر أم تشعر بالعجز أمام مرض ابنها الوحيد والذي لا تعرف لشفائه منه سبيلا ولكنها لا تكل ولا تمل من أن تفعل كل ما في وسعها كي تجعل ابنها يعيش حياة طبيعية كبقية الأطفال. وفي الوقت الذي يراها الجميع فيه لا تشتري شيئا البتة وهي تكلف نفسها عناء الطواف على الحوانيت والمتاجر يوميا إلا أنها هي في قرارة نفسها تشتري – بتعبها وجهدها وصبرها ومثابرتها – وحيدها من العالم بأكمله كما ذكرت الكاتبة، وهي بلاغة لغوية أضافت عمقا إنسانيا إلى المعنى الذي أرادت الكاتبة أن توصله للقارىء.
صفحة 45: “اقترحت أن يتزوج وسأظل على ذمته، الرجل الذي يتزوج أفضل من أحمق لا يكف عن إقامة علاقات قصيرة بائسة لا يحترم فيها ولا زوجته ولا المرأة الأخرى التي يبيعها كذب مشاعره.”
في هذه الفقرة يتضح مدى نضج ووعي بطلة الرواية أو الشخصية الرئيسية (مي) والتي تعي جيدا أن علاقتها بزوجها مرتضى أصبحت علاقة صورية بالنسبة إليها، الأمر الذي جعلها لا تمانع في أن يتزوج بامرأة أخرى عوضا عن نزواته المتكررة وكذبه عليها وعلى الأخريات، الأمر الذي يعد استثنائيا في طريقة التفكير بين نساء المجتمع اللاتي أفسدت الدراما وعيهن وجعلت من زواج الرجل بأخرى إهانة لهن وجريمة لا تغتفر في حين أن دخوله في علاقات محرمة وإن تكررت أمرا عاديا يمكن أن يمر مرور الكرام طالما أن العلاقة مصيرها إلى زوال بانتهاء هدفه غير الأخلاقي منها. وأعتقد أن المرأة القادرة على التمييز بين الحلال والحرام وبين ما تفرضه الأخلاق وما يغض المجتمع الطرف عنه من أفعال خفية لبعض ذكوره، هي امرأة واعية بالضرورة وقوية أيضا وإن غردت خارج السرب ورفضت التدجين والسير في قطيع تقوده أفكار بالية ما أنزل الله بها من سلطان.
صفحة 54: “أؤمن أنه حين يسعد سيشفى، ويرى العالم بحرية حتى وإن ظل في نظر الجميع مختلفا.”
هنا تتحدث (مي) عن ابنها (شادي)، وهنا تصف لنا الكاتبة رشا عبادة روشتة للشفاء من جميع الأسقام النفسية وربما العضوية أيضا، وهي السعادة. وكم هي محقة وأتفق معها قلبا وقالبا، فحين يسعد الإنسان بحق يستطيع أن يتغلب على كل مصاعب الحياة ويهزمها ويشفى من كل جروحه أيضا ولا يهم بعدها إن رآه العالم من حوله متماهيا مع معتقداته وأفكاره أم مختلفا فما يهم حقا أن يكون الإنسان سعيدا ومتصالحا مع نفسه كي ينجو من الغرق في بحر الحياة المتلاطم.
صفحة 59: “الموضوع ده حصل لستات وبنات كتير ولازم ننساه ونعتبره تحرش عادي في اتوبيس!”
الجملة الأكثر خطورة في معناها ودلالاتها أيضا، والتي أهدرت حقوق الكثير من النساء في المجتمع ممن تعرضوا لاعتداءات مختلفة سواء لفظية أو جسدية. والإشكالية الحقيقية ليست في الجملة نفسها أو معناها غير الإنساني وغير الأخلاقي أيضا، وإنما في قائلها. ففي الرواية كان قائلها مرتضى زوج مي وهو يحاول أن ينهي مي عن اتخاذ أي إجراء قانوني طبيعي ضد الشيخ مدعي التدين الذي تحرش بها. والإشكالية الأكبر أن المجتمع به فعليا نماذج من أشباه الرجال مثل مرتضى في الرواية، يلقون باللوم على الضحية ويمارسون عليها كافة أشكال الضغوط النفسية حتى لا تفضح الجاني في هكذا حالات فتضيع الحقيقة ويمتهن الحق وتظل ضحايا النساء يدرن في حلقة مفرغة ما بين الابتذال الذكوري والابتزاز المجتمعي.
صفحة 64: “ثلاث وردات وبطاقة ملونة كتب عليها بخط سيء: هذه الظهور تعبيرن عن حبي!”
بهذه العبارات البسيطة استطاعت الكاتبة رشا عبادة أن تختصر للقارىء تفاصيلا كثيرة عن شخصية مرتضى زوج مي، وهي مهارة من الكاتبة أن تستخدم جملة حوارية من سطر واحد للتعبير عن ضحالة فكر الشخصية وجهلها ومن ثم السمات العامة لها.
صفحة 71-72: “مرتضى أبو سعدة الطفل المدلل، الذي يخاف أبواه عليه من الهواء؛ فتخيط أمه طرف بطانيته في حافة مرتبة السرير ليلا، ويمنعه أبوه من الذهاب للمدرسة في أيام البرد، ولا يرهق نفسه في المذاكرة، وتطهو له أمه طعاما مخصوصا يفضله، يحدثني عن قلبي الأهبل وغرابة مخاوفي على شادي!”
ببراعة استطاعت الكاتبة أن تصيغ مفارقة بسيطة تبين أكثر السمات الشخصية لمرتضى طليقها في هذه المرحلة من الأحداث وتوضح بجلاء ازدواجية المعايير التي يتعامل بها مع الحياة ومن فيها لخلل ما في أسلوب تربيته أفسده منذ صغره، كان من نتيجته أن أصبح مرتضى رجلا عابثا وزوجا أنانيا وأبا غير مسؤول. وكأن الكاتبة أرادت أن تسلط الضوء على مشكلة أخرى من المشكلات المجتمعية التي تدفع ثمنها نساء كثيرات يوقعهن حظهن العاثر في زيجات مماثلة يغيب فيها دور الزوج والأب لغياب التربية الصحيحة لها منذ طفولته.
صفحة 76: “اختبأت في صدر شادي أبكي: تيتا ماتت.. راحت عند ربنا.
– ربنا قتل تيتا!
الله لا يقتل يا صغيري، هو فقط يستضيف أحباءنا في مكان أجمل.”
استوقفني رد الصغير شادي على أمه في هذا الحوار، ولم أجده منطقيا إلى حد ما، فشادي في هذه المرحلة من عمره لم يكن قد تعلم الكلام الطبيعي بعد كما جاء على لسان أمه مي في كثير من الأحداث المحيطة بهذا الحدث، كما أنه لم يكن باستطاعته أن يميز الكثير من الأمور الحياتية اليومية، فكيف له وهو على ذلك النحو أن يعرف ماهية القتل وأن يرادف معناه بالموت؟
وإن كانت الكاتبة وظفت الحوار لشرح معنى أسمى كما جاء في رد مي على ابنها، إلا أنني أرى أن تعقيب شادي على خبر موت جدته لم يكن موفقا إلى حد كبير.
صفحة 110: “من الطبيعي أن تكون البدايات مبهرة وجميلة، فلا يعقل أن يأتي أحدهم ويقول: مرحبا يا عسل، أنا ندل ومخادع وأناني وحقير.”
عمق هذا المعنى في هذا الموضع من الرواية يكمن في واقعيته الشديدة، وبقدر عمقه بقدر قسوته أيضا، فكم من النساء يدفعن الثمن غاليا من حياتهن وسنوات عمرهن بلا ذنب أو جريرة سوى أنهن صدقن رجلا كاذبا ارتدى قناع البراءة ليواري به سوءة وجهه الحقيقي، حتى إذا وقعت امرأة في حبائله خلع ذلك القناع وأبدى لها بلا مواربة أو خجل ما كان يخفيه من دناءة السلوك.
صفحة 112: “الظالمون ينامون أيضا يا صديقتي، صحيح أن نومهم عبادة، لكن الله لا يقبل عبادة نائمة!”
أعجبني جدا هذا التعبير على لسان بطلة الرواية مي وهي تتحدث إلى صديقتها غادة، ووجدته واقعيا جدا فالظالمون بالفعل ينامون ويغطون في النوم أيضا بلا أدنى تأنيب من ضمائرهم الميتة، فلو أن لأحدهم ضميرا حيا من الأساس ما كان ليظلم ويتمادى في ظلمه. كما أعجبني كثيرا حرفية الكاتبة في التدليل على موت ضمير الظالم بعبارتها (لكن الله لا يقبل عبادة نائمة) فالعبادة التي رأيتها أنا في هذا المعنى هي (يقظة الضمير) وهي العبادة التي يسقطها الظالمون من حسباتهم فيستمرئون الظلم بأريحية متناهية بلا وازع أو رادع.
في ختام قراءتي للرواية أجدها رواية جيدة جدا بوجه عام مكتملة العناصر الفنية من حيث الموضوع والحبكة واللغة والسرد والتعبيرات المجازية والدلالية، رواية تمس قلب القارىء مثلما تثير في عقله تساؤلات عدة تتيح له الإجابات عن بعضها وتُبقي البعض الآخر معلقا على مشجب التوقعات المتباينة.
