الوعي بالحق في الحياة: رؤية نقدية عن رواية صندوق البريد 203: رسائل من خلف الجدران للكاتبة الهندية " تشيترا مودجال" ترجمة دكتور/ أحمد القاضي
بقلم الروائية المصرية / هالة البدري
جذب المترجم الدكتور أحمد القاضي انتباهي منذ الوهلة الأولى عند مطالعة السطور الأولى المقدمته لرواية “صندوق البريد 203 رسائل من خلف الجدران للكاتبة الروائية الهندية “تشيترا مودجال” بطرحه الغني لفكرة الرواية، واهتمامه بشرح معلومات كافية عن الظروف التي تعيشها جماعة “الهيجرا”؛ من حيث كونهم بشرا يولدون غير محددي الجنس، وقد أمدنا “القاضي” بمعلومات مفادها أن: “الهند” ودول جنوب شرق آسيا” تضم عددًا كبيرًا من المخنثين الذين يُحشرون – وفقا للعادات والتقاليد الموروثة – في مجتمع منبوذ منذ نعومة أظفارهم، ويجبر الأهالي على تقديم أطفالهم مختلطي الجنس لهذا المجتمع الذي يملك قوى قاهرة لفرض رغباته منذ البداية.
وهي معلومات ضرورية جدًا لقراء العربية الذين لا يعلمون شيئًا عن مثل هذه المجتمعات المنبوذة، ليفهموا المناخ الذي عاشت فيه شخصية الطفل بطل الرواية.
لقد شعرت منذ مطالعة السطور الأولى للرواية برهافة الكاتبة التي اختارت أسلوب الرسائل كبنية أساسية للقص، وقد أجادت في ذلك وأبدعت؛ فالرسائل فيها من الحميمية ما يُقرب القارئ إلى ما هو مكتوب بضمير المخاطب وتعبيره المباشر عن نفسه. ولقد جاءت الرواية في سبع عشرة رسالة خصصت كل رسالة منها لبناء لبنة تكشف فيها قضية، ثم تتراص هذه اللبنات لتكون وحدة عضوية ترسم صورة الطفل “فنود”، الذي طرد من بيت أهله عنوة، وسلّم إلى مجتمع المخنثين، وضاع في الحياة البائسة التي فرضت على أهلها، لعب دور المهرجين المهانين، حيث يعانون نقصا رغم أنوفهم.
ومن الجدير بالملاحظة أن هذا الدور أشبه بدور الغجر في مجتمعات أخرى؛ فهم منبوذون يعيشون في مجتمع قبلي مغلق على حافة المدن أو القرى، ويمارسون الرقص والغناء والحدادة وصيانة المعدات وتربية الأغنام في بعض البلاد، بالإضافة إلى تفشي داء السرقة في الكثيرين منهم. وأفراد هذا المجتمع لهم فلسفتهم الخاصة في الحرية المطلقة، ويعتبرون أن الأرض وما عليها ملك للخالق، ولهم حق فيها، ولا يعترفون بالنظم كلها التي وضعها الإنسان عن الملكية.
ومن المعروف أن الغجر هم جماعة خرجت من “الهند” لخلافات عقدية، وانقسمت إلى جماعات اتجهت إحداها إلى “المجر”، وعاش بعضهم في “إسبانية”، و”اليونان”، والشرق الأوسط. وكلمة “هيجرا” كما أوضحها الدكتور أحمد القاضي” ذات جذر عربي من كلمة “هجر”، عبرت إلى اللغة الفارسية، ثم إلى الأردية والهندية، وتحولت دلالتها من الترك والانقطاع إلى هوية اجتماعية وجندرية مستقلة في الثقافة الهندية، لكن ما يشغلني هو قرب حروفها من كلمة الهناجرة التي جاءت من اسم الإمبراطورية الهنجارية، وهي الكلمة التي يطلقها المصريون على الغجر.
ومن الجدير بالملاحظة أن هناك وشائج وصلات كثيرة تجمع بين الغجر والهيجرا ، لكن يضاف إلى قهر التشرد والنبذ عند الهيجرا هذا الإدراك لمعنى النقص الذي وشمتهم به الطبيعة في حرمانهم من الإنجاب، وعدم ممارسة دورهم في استمرار النوع، فهم كما وصفهم بطل الرواية مطلوبون في أفراح الناس في الزفاف وميلاد الأطفال والاحتفالات بشتى أنواعها يسبقهم ضجيج الاستقبال وفرحته، ثم ينتهي هذا بانتهاء الحفل بالنبذ والاستبعاد والازدراء أيضا، حيث يظلون مستبعدين من أفعال البشر كلها ومجتمعاتهم؛ لأنهم نذير شؤم، وميلادهم عار.
اختارت الكاتبة البساطة والوضوح في اللغة، فجاءت تقريرية تقريبا، ولم تستدع الدراما والاستجداء الفج ولا البكاء على اللبن المسكوب. ومع هذا لم تفقد خيط السرد ولا التشويق، رغم أنها تحدثت بصوت الصبي “فنود” قبل أن تتنوع وتنضج كلماته بالتنقل بين المراهقة والشباب، وتصاعد الوعي مع توالي الرسائل وهو يصف لأمه وندنا بن شاه” حالته.
لقد عكست رسائل الرواية أوضاعًا اجتماعية ودينية استخدمت فيها العادات والتقاليد الهندية على تنوعاتها من طعام وشراب وصلاة ورقص وآلهة وطقوس موت وميلاد وبدا أنها بإصرارها نابعة من التصاق الابن بأمه، وعدم معرفته الكافية بأبيه بحكم السن الذي ترك فيه الأسرة، وعكست أيضا الصراع الذي دار بين ما خطط له الأب لمستقبل ابنه قبل أن يشاع النقص لديه، وبين ما جرى من استسلام المقدراته بضغط جماعة المخنثين.
كما أعجبني حضور الأم الطاغي، رغم أنها مجني عليها طوال الوقت، كما راقتني استطاعتها تغيير ما جرى لابنها والاعتراف بخطأ تسليمه إلى المخنثين والاعتذار عن إشاعتهم نبأ موته كذبًا، كذلك يلفت الانتباه إصرار البطل على التعليم كطوق نجاة ليس له وحده، بل لوعي الجماعة كلها بإنسانيتها، رغم الخطأ الذي ارتكبته الطبيعة بتشويه أحد أهم أعضائهم.
أما النهاية؛ فقد جاءت واقعية بشدة؛ لأن التغيير لا يجري في مثل هذه المجتمعات دون دفع أثمان غالية، حيث كان مشهد الاعتداء على الراقصة بونم جوشي” صادقا للغاية، كما كانت نجاة المعتدين هو الأقرب إلى ما يحدث في أنحاء العالم كله القائم على الديكتاتورية والاستعباد، وهو ما قوى بناء الرواية الدرامي دون فجاجة وتناغم مع جريمة القتل الغامضة في النهاية ليخلق مشهدًا واقعيا بامتياز، ويوصل رسالة الرواية ناصعة إلى المتلقي.
وتعزز الكاتبة التي سبق أن فازت روايتها بعديد من الجوائز إنتاجها بهذا الموضوع الإنساني الذي يعبر عن حالة شديدة المحلية والدولية في السياق الأعم لتحدي العنصرية بأشكالها كافة، ولا تفاجئنا “الهند” في حقيقة الأمر بمثل هذه الرواية البديعة لكاتبة مهمة، فشبه القارة ما زالت لم تكشف بعد عن إبداعها، رغم الكثيرين من المبدعين، أمثال: “جيتانجلي شري” التي فازت روايتها ” قبر الرمل” بجائزة البوكر الدولية عام 2022م، والكاتبة سوزانا أروندائي روى، التي فازت بالجائزة نفسها عام 1997م، عن روايتها “إله الأشياء الصغيرة، والهندية كيران ديساي”، التي فازت أيضًا بجائزة البوكر عام 2006م، عن رواية”ميراث الخسارة”، والكاتب “أرافيند أديغا” الفائز بالجائزة نفسها عن روايته “النمر الأبيض” عام 2008م والكاتب الهندي سلمان رشدي”، وبالطبع رابندر ناته طاغور”، الشاعر والمسرحي والروائي، وأول فائز غير أوروبي بجائزة نوبل للآداب، والكاتب “آر. كي. نارايان”، الذي يُعد أكبر كاتب روائي هندي والكاتب خوشوانت سينج”، وهناك الكاتبة الشاعرة “أمريتا برايتام” الرائدة في اللغة البنجابية، والكاتب “شيتان باجات”، الذي اختير كأكثر الكتاب الذين حققت رواياتهم مبيعات في تاريخ “الهند”.
