
بوح الجدران – كنداكة السودان تغوص بين أمواج البحر وهمسات الزمن
بقلم الكاتبة / بلسم القارح

بوح الجدران – كنداكة السودان تغوص بين أمواج البحر وهمسات الزمن
بقلم دكتور / بلسم عبدالحميد احمد القارح
مدير مكتب الأثارالاقليمي -البحر الأحمر
مدير متحف البحر الأحمر للآثار والتراث
السودان
بوح الجدران – كنداكة السودان تغوص بين أمواج البحر وهمسات الزمن
مدخل
في أعماق البحر الأحمر، غاصت كنداكة السودان، بحثًا عن أسرار الأمواج وصمت الشعاب القديمة. هناك، استمعت إلى همسات السفن الغارقة وحكايات البحارة المنسيين. لكن الرحلة لم تنتهِ عند حدود البحر…
هذه المرة، تقف أمام جداريات شاهدة على زمن آخر. ممالك مسيحية قامت وازدهرت، تزين كنائسها بصور قديسين، وتردد جدرانها صدى التراتيل القديمة تتقدم بخطوات واثقة… تلامس آثار الألوان الخافتة… وتغوص من جديد ليس في الماء ، بل في ذاكرة الحجر، حيث تبوح الجدران بأسرارها، وتهمس لها الممالك بحكايات لم تندثر- وأسرار مدن في قلب السودان، وعلى ضفاف النيل انتعشت ثم خبت أخفتها الرمال لكنها لم تنسها فترددت أصداؤها عبر القرون.
يُعد السودان موطنًا لحضارات عريقة امتدت عبر العصور، حيث ازدهرت فيه ثقافات متنوعة تركت بصمات واضحة في تاريخ البلاد وهويتها. لم تقتصر هذه الحضارات على التأثير المحلي فحسب، بل أسهمت أيضًا في تشكيل الإرث الثقافي الإنساني على مستوى العالم. وسنبحر خاصة في العصر المسيحي من ذاك الخضم الجميل,
ثلاث ممالك عظيمة سميت تباعا نوباتيا، المقرة، وعلوة. كانت كل واحدة منها تحمل بصمتها الخاصة على هذه الأرض، تبني المعابد والكنائس، وتتبادل الرسائل مع أباطرة وأمراء بعيدين، وكأنها قطعة من عالم أوسع يتشابك عبر البحار والصحارى. كانت فرس عاصمة دينية شيدت فيها اكبر كاتدرائية وتمتعت بالتطور في كل مجالات الحياة .اما دنقلا عاصمة المقرة، مثلت المدينة العامرة بالعلم والثقافة، حيث تُنسخ المخطوطات وتُرسم الجداريات التي تحكي قصص القديسين، بينما كانت سوبا، عاصمة علوة، موطنًا للحرفيين المهرة والتجار الذين يأتون من كل حدب وصوب.
لكن دوام الحال من المحال. فكما صعدت هذه الممالك، جاءت الأقدار برياح التغيير. اجتاحت الجيوش أراضيها، وتبدلت العقائد، وانهارت المدن، لكن آثارها لم تختفِ تمامًا. بقيت الكنائس، ولو كانت أنقاضًا، شاهدة على زمن كانت فيه هذه الأرض تزهو بثقافة فريدة تمزج بين الفن المسيحي والتقاليد النوبية العريقة .

1 مملكة نوباتيا (350-550م)
تأسست في شمال السودان. كانت من أوائل الممالك التي تبنّت المسيحية رسميًا، مما انعكس على ثقافتها وفنونها. تأثرت نوباتيا بالإمبراطورية البيزنطية، مما ساهم في تطور فنونها وعمارتها، حيث بُنيت كنائس وأديرة مزينة بالنقوش والرسومات الجدارية.
2 مملكة المقرة (550-1504)
امتدت من الشلال الثالث حتى الشلال الخامس، وكانت دنقلا العجوز عاصمتها. حافظت على استقلالها الديني والسياسي رغم انتشار الإسلام، وأبرمت اتفاقيات سلام مع الخلافة العباسية والمماليك. اشتهرت المقرة بفنونها المعمارية والجداريات التي تعكس مزيجًا من التأثيرات المحلية والبيزنطية.
3 مملكة علوة (حوالي 580-1504م)
كانت تقع في وسط السودان، وعاصمتها سوبا، جنوب الخرطوم. صمدت علوة أمام انتشار الإسلام لفترة طويلة، وكانت كنائسها تلعب دورًا مهمًا في المجتمع. انتهت المملكة بسقوط سوبا على يد الفونج المملكة الإسلامية السودانية في القرن السادس عشر، مما أدى إلى انتشار الإسلام في المنطقة.
أهم المواقع الأثرية المسيحية في السودان
1 دنقلا العجوز: تقع جنوب دنقلا الحديثة، وتضم بقايا مدينة ومدافن تعود للفترات المسيحية والإسلامية، إضافةً إلى قلعة ضخمة كانت تستخدم للدفاع.
2 كنيسة ودير الغزالي: يقع جنوب شرق مدينة مروي الحديثة، وهو موقع أثري يضم ديرًا وكنيسة تعود للقرن السابع الميلادي، حيث عُثر فيه على نقوش باللغتين الإغريقية والقبطية.
3 موقع فرس (باخوراس): يقع على الحدود السودانية المصرية (حاليًا مغمور تحت مياه بحيرة النوبة)، وكان عاصمة مملكة نوباتيا، ويضم كاتدرائية ورسومات جداريه رائعة.
4 بطن الحجر: تحتوي على عدد من الكنائس والمباني الدينية التي تعود للعصر المسيحي، وتُظهر تأثيرات فنية متنوعة.
5 جزيرة كلبنارتي: تضم كنائس ومباني مسيحية، إضافةً إلى قلعة وكنيسة تحمل رسومًا مسيحية متأخرة.
6 همبكول ومواقع أخرى: تشمل مستوطنات قديمة، مثل ود نميري والخندق، التي تضم منشآت معمارية دفاعية ومدافن مسيحية.
7 مدينة سوبا: كانت عاصمة مملكة علوة المسيحية، وما زالت آثارها شاهدة على عراقة هذه المملكة.
رحيق البوح:
الفن ألجداري المسيحي في السودان
يُعد الفن الجداري في الكنائس والأديرة النوبية من أبرز الشواهد على الثقافة المسيحية في السودان. امتازت هذه الجداريات بألوان زاهية ودقة في التفاصيل، حيث رُسمت باستخدام أصباغ طبيعية من المعادن والنباتات. كما زخرفت اللوحات بالرموز الدينية مثل الصليب والهالة حول رؤوس القديسين.
كان موقع فرس مركزًا دينيًا مهمًا في مملكة نوباتيا، وتم اكتشاف العديد من الجداريات فيه خلال عمليات التنقيب في الستينيات من القرن الماضي والتي تم معظمها لإنقاذ الآثار من الغرق بمياه بحيرة بعد إنشاء السد العالي . نُقلت هذه اللوحات إلى متحف السودان القومي لحمايتها، وهي تُظهر تأثيرات بيزنطية واضحة ممزوجة بالعناصر المحلية النوبية. تصور اللوحات مشاهد دينية مثل حياة المسيح والسيدة مريم والقديسين، مما يعكس التفاعل الثقافي والفني بين النوبة والحضارات المجاورة.
أهمية الجداريات في السياق الثقافي السوداني
في عمق التراث الثقافي السوداني، تظل الجداريات المسيحية التي تزين جدران الكنائس والأديرة شاهدة على حقب تاريخية مهمة. هي ليست مجرد رسوم على الحجر أو الطين، بل هي “رحيق البوح” الذي يفضي إلى أسرار حضارة كانت ذات يوم محورية في تكوين الهوية الثقافية والإيمانية للسودان. في هذه الرسومات، تختلط الرموز الدينية بالفن المحلي النابع من بيئة نوبية أصيلة، ما يعكس تمازجاً فريداً بين الثقافات، وتماسكاً بين الفنون والمعتقدات.
إعادة قراءة الهوية الثقافية
تعتبر هذه الجداريات مصدرًا لا يقدر بثمن لفهم مسارات تاريخية ودينية أسهمت في تشكيل ملامح حضارة نوبية مسيحية مزدهرة. ليس في ذلك فحسب، بل هي محورية في دراسة التفاعل بين حضارات البحر الأبيض المتوسط وحضارة السودان القديمة. تتيح هذه الجداريات، بما تحتويه من نقوش وألوان، نافذة حية لفهم كيف كانت تنسج الذاكرة الجماعية للمجتمع في فترات ما قبل الإسلام، وكيف استمرت هذه الرسوم في أداء دورها الثقافي والديني.
الفن كوسيلة للحفاظ على الذاكرة الجماعية
الجداريات هي جزء لا يتجزأ من هذا الإطار الثقافي لأنها تسجل الحكايات التوراتية والمسيحية، جنبًا إلى جنب مع تجسيد للطبيعة النوبية التي اختلطت بالفن البيزنطي. تُظهر هذه اللوحات مشاهد حياة المسيح، القديسين، والملائكة، وتستعرض أيضًا صورًا تمثل لحظات هامة من التاريخ المسيحي، مما يعزز من فهمنا لتاريخ الديانة المسيحية في السودان وأثرها على الحياة اليومية. وقد كانت أداة تعليمية ووسيلة للعبادة. فمن خلال هذه الصور الدينية، تم نقل الرسائل الدينية والدروس الروحية للأفراد، وهو ما يبرز دور الفن في المجتمع كمحرك ثقافي وديني في حياة الناس.
التفاعل بين الفن والتاريخ
إذا نظرنا لهذه الجداريات من منظور تاريخي، نكتشف مدى تأثيرها في فهمنا للهوية الدينية والثقافية في سياق أوسع. فكل لوحة تعتبر “رحيق بوح” مُعبّر عن اللحظات التاريخية التي تجاوزت التوقيت الزمني لتصبح جزءًا من ذاكرة الأمة التي تتحول عبر الأجيال. هي تُمثّل حكاية مستمرة، ما بين الألوان المتلاشية وذكريات الشعوب التي حافظت على مفرداتها الثقافية رغم الأزمات.
دعم السياحة الثقافية والبحث العلمي
تمثل الجداريات أيضًا جزءًا من الموارد الثقافية التي تسهم في تعزيز السياحة الثقافية. فهي ليست مجرد تحف فنية، بل هي مراجع تاريخية يمكن أن تجذب الباحثين والزوار من داخل السودان وخارجه للاطلاع على تاريخ طويل ومعقد. من خلال هذه الجداريات، يتمكن الباحثون من فهم تطور الفن المسيحي في أفريقيا ومنطقة النوبة، كما يمكن استخدامها كمصادر تعليمية لتثقيف الأجيال الجديدة حول ثقافتهم وتاريخهم.
أهمية الحفاظ على هذه الكنوز
إذن، تظل هذه الجداريات شاهدة على الحقبة المسيحية في السودان، منارة تعكس إبداع شعب واحتفاظه بذاكرته في وقت تجاذبته تيارات التغيير. في مواجهة الزمن، الحروب، والتهديدات الحديثة، تبرز أهمية توثيق هذه الجداريات والحفاظ عليها. “رحيق البوح” لا يتوقف عند جدران الكنائس القديمة، بل يمتد في عمق حياتنا الثقافية والفكرية، ليظل نقطة اتصال بين الماضي والحاضر، ويمثل مسؤوليتنا الجماعية في الحفاظ على التراث الذي شكلنا. ويعتبر جزءًا أساسيًا في الحفاظ على التراث الثقافي الإنساني المشترك.
اخترت لكم
نهاية القرن العاشر فرص- كاتدرائية بطرس الملكة الأم ويعتقد بأنها أم الملك جورجيوس في المعمودية بجانب الأسقف بطرس (974-999) وتظهر السيدة العذراء حاملة الطفل يسوع وتلمس كتف الملكة كإشارة للحماية المقدسة ويسوع يحمل في يده اليمنى رمزية السموات وفي يده اليسرى رمزية الأرض ,كما ان تاج الملكة يشابه تماما تاج السيدة العذراء في اللوحة المسماة لوحة الميلاد العظيمة ومشهد السيدة مريم ترضع السيد المسيح وكلها مشاهد تعود لفترة واحدة.
فرص-كاتدرائية بطرس القرن العاشر
30-3:8) وفقا لكتاب دانيال أنهم ألقوا في النار في عهد نبوخذنصر في بابل لرفضهم عبادة تمثال من الذهب فيقوم أحد الملائكة بحمايتهم من الحريق كتب بأنه كبير الملائكة ميخائيل ووصف بالكتابة الملحقة بأنه قائد قوات السماء ومحب البشرية.إن طريقة الإعدام وعظمة موضوع اللوحة يجعل منها لوحة نوبية فريدة من نوعها.
فرص كاتدرائية باولوس النصف الثاني من القرن التاسع
أول أساقفة فرص يتم تعريفه في المخطوطة المصاحبة لصورته بكونه مطرانا ,يعتقد بأنه رئيس الكنيسة في مملكة المغرة وخلافا لغيرها من تصاوير القديسين فقد صورهنا من غير حماية مقدسة وتكمن أهمية هذه اللوحة في إحتوائهاعلى أفدم رسم لوجه أسقف من فرص مؤرخ بتاريخ مؤكد.
فرص-كاتدرائية بطرس نهاية القرن العاشر لوحة قصصية تصور الآلام الموت وإعادة خلق السيد المسيح وفق التقليد المسيحي في الجزء العلوي الأيسر مشهد متكرر للصليب ويمينا السيد المسيح داخل آتون النار يخلص أرواح الموتى الذين لم يعمدوا لكونهم عاشوا حيواتهم قبل ظهور المسيح بداية بآدم وحواء وفي اليمين من اللوحة يوجد منظران غير معروفان من المحتمل أن أحدهما كان يمثل (مقابلة في حديقة ) مع مريم العذراء ومريم المجدلية.
فرص-كاتدرائية بطرس نهاية القرن العاشر
زاهد يقف رافعا يديه وهو يصلي جسده مغطى بخطوط عديدة متموجه تمثل شعره الطويل .النخيل على يساره يبين مكان خلوته والذي أرشد إليه ملاك ,وال12 عنقود من البلح ترمز إلى حصته السنوية من الطعام وفقا لحياة القديسين.
فرص-كاتدرائية بطرس
القرنين الثاني عشر والثالث عشر محارب غير معروف الهوية وصف كشهيد.
التحدي- هل تبقى هذه الكنوز للأجيال القادمة؟ بين الحروب والإهمال، تواجه هذه الموروثات خطر الاندثار، مما يجعل توثيقها وحفظها مسؤولية كل من يدرك قيمتها هي ليست مجرد مسؤولية وطنية، بل واجب ثقافي وإنساني. فربما، في يوم من الأيام، يأتي جيل جديد يعيد إحياء ما ظنناه مفقودًا، ويحكي الحكاية من جديد.
وشوشة رقيقة بعد البوح بينما نتعمق في إرثنا العريق، تظل الآثار شاهدة على حضارات لم تُنسَ, ساهمت في تشكيل هويتنا الثقافية والدينية ووفرت لنا نافذة لفهم البشرية وتطورها عبر العصور. تلك الكنوز ليست مجرد جدران وأبنية، بل هي قصص حية تروي تاريخنا وثقافتنا.وهي رابطً قويً بيننا وبين ماضينا فحفاظنا عليها مسؤولية مشتركة.إذن هيا معا لنحمل على عاتقنا مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث العظيم، ولنعمل سويا على ضمان أن تظل همسات الماضي نابضة في قلب حاضرنا ومستقبلنا
بلسم القارح