تجليّات الأنا في ديواني العشق الأخير ومبدعات الحرف للشّاعرة فائزة سعيد
الأستاذة/ درية فرحات -الجامعة اللّبنانيّة
تدلّ كلمة الأنا على الذّات، وهي بالمعنى المباشر تدلّ على الشّخص بجميع لواحقه وأعراضه. ويذكر جبور عبد النّور في معجمه الأدبيّ أنّ الأنا من النّاحية الفنيّة هو اكتمال الخصائص الإنسانيّة العامة والفرديّة في الفنان أو الأديب، وبروزها بوضوح، وتعبير متميّز من خلال الآقار التي يبدعها، ولا يتحقّق الأمر إلّا بالغوص على الأعماق واكتشاف ما بها من كنوز عبقريّة وعرضها فنيًّا .
وإذا نظرنا إلى التّجربة الشّعريّة المرتبطة بالأنا أو الذّاتيّة نرى أنّها تستند إلى عدّة أطراف أوّلها التّجربة الإنسانيّة والرّؤية الذّاتيّة للشّاعر والمتلقي، أي أنّنا نكون هنا بين الأنا والآخر. فمن أبرز تجليّات الأنا في مظهريتها الذّاتيّة هو تجلّيها من خلال النّظر إلى الآخر، وقد نقول إنّه لا وجود لأنا فاعلة وقادرة على الحضور المنتج من دون آخر مناظر وموازٍ لها يحرّضها على التّمظهر والفعل والتّعبير عن الذّات، ولا بد أن تمتلك هذه الذّات/ الأنا قوّة ذاتيّة مركزيّة تتحدّد ذاتيّتها وقوّتها ومركزيّتها بدلالة الآخر.
هذه الأنا نلمسها بشكل لافت عند قراءة النّتاج الشّعريّ للشّاعرة فائزة سعيد، إذ تتجلّى الأنا الشّاعرة تجلّيًا واضحًا ومقصودًا في كل مراحلها الشّعريَة وعلى مختلف المستويات، ففي ديوان العشق الأخير تبدأ فائزة سعيد بإهداء الدّيوان إلى نفسها، فتقول: “إلى نفسي أنا المعذبة بأقداري”، ومن هنا تبرز هذه الجدليّة بين الآنا والآخر، بين الشّاعرة وبين نفسها، فتظهر الأنا المتألمة والمعذبة والسّاخطة على قدرها.
وتطالعنا القصيدة الأولى الموسومة بـ “الصّبح أنت”، وإن كانت الشّاعرة في هذه القصيدة تستخدم ضمير المخاطب، أي الآخر، وعليه تتحقّق الوظيفة التّأثيريّة، لكن يمكننا أن نكتشف قراءة أخرى في هذه القصيدة، خصوصًا إذا ربطناها بالإهداء، فقد تكون الأنت هنا أنتِ وليس أنتَ، فيكون الحديث أيضًا بين الأنا والأنت بينها وبين نفسها، فالأنت يعكس وجودها، أو أنّها تتماهى مع الآخر فتصبح واحدًا:
صباحك أنا وصوتي وهمسي
وقصيدة شعر
وآيات آيات حبّ
وإذا سمحنا لأنفسنا أن نقدّم تأويلًا للأخر في هذه القصيدة، فإنّ الشّاعرة في قصيدة أخرى تعبّر صراحة عن أناها عبر ضمير المتكلّم، ﻓﺎﻷﻨﺎ ﺍﻟﺸّﻌﺭﻴﺔ ﻫﻲ ﺫﻟﻙ ﺍﻟﻀّﻤﻴﺭ ﻓﻲ ﺍﻟﻨّصّ ﺍﻟﺸّﻌﺭيّ كيفما كان ﺒﺼﻴﻐﺔ ﺍﻟﻤﺘﻜﻠّﻡ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺨﺎﻁﺏ ﻭﻴﺘﺤﺩّﺩ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻀّﻤﻴﺭ ﻤﻥ ﺨﻼل ﺘﻭﺍﺠﺩﻩ ﺒﻁﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺤﺎل ﻓﻲ ﺍﻟﻨّصّ، ﻓﻴﻜﻭﻥ ﻤﺘﻭﺍﺠﺩًﺍ ﻓﻲ ﺜﻨﺎﻴﺎ ﺍﻟﻨّصّ ﺍﻟﺸّﻌﺭيّ.
تبرز ذاتيّة الشّاعرة بشكل واضح عبر ضمير المتكلّم، ليعبّر عن هذه الأنا المعذّبة والمتألّمة، فتظهر الوظيفة التّعبيريّة بشكل لافت، تقول الشّاعر:
وحيدة أصبحت
لا أرض لي لا سماء لي
لا مكان لي لا وطن لي
لا بلاد لي لا بيت لي
تظهر الأنا المنكسرة الشّاعرة بالوحدة، وتفتقد الانتماء إلى أي مكان فلا الأرض لها، ولا السّماء لها، ولا وطن لها، ولم يبق لها سوى ما تكتبه أجنحة الحمام، أو ما تخطّه أقلام الشّتاء، وإن كان لافتًا أنّ ما تبقى لها فهو مسطر على أجنحة الحمام، وفي الأجنحة طيران وابتعاد، والشّتاء راحل، والصّباح آفل:
غير ذلك الذي
تكتبه أجنحة الحمام
وأقلام الشّتاء
على أوراق صباح
سافر بعدك ولم يعد
وتتكرّر هذه الأنا الوحيدة عند الشّاعرة في قصيدة ذات شتاء، فتقول:
وحيدة على شرفة
نهار هارب إلى العدم
بلا عناوين
تشيعني في ذلك
الشّوارع والنّوافذ
وغبار ما عالق في زجاج
الوجود مرايا النّهار
أبحث عنّي لا أجدني
وأبحث عنها تلك أنا
الهاربة مني في خوف
ويبدو الضّياع واضحًا عند الشّاعرة، والأنا هنا باحثة عن وجودها، وعن حقيقتها، فلا تكون النتيجة إلّا الاستمرار في الهرب. وفي بحث الشّاعرة تكون الطّبيعة هي الملاذ، لكنّها تظلّ هاربة من نفسها.
وفي بحث الشّاعرة عن قدرها وعن حقيقتها تصطدم بالآخر الحبيب، فترى أنّه قدرها المحتوم الذي لا مفرّ منه:
عيناك يا حبيبي قدري
فكيف نهرب من القدر
وبذلك نرى أنّ الشّاعرة تتناص مع الشّاعر نزار قباني في قوله
وكيف أهرب منه؟ إنّه قدري هل يملك النّهر تغييرا لمجراه
فالشّاعرة توافق حيرة المرأة التي تكلّم باسمها نزار وباتت غير قادرة على تغيير مجرى الحبّ، وهكذا أنا الشّاعرة فائزة غير قادرة على الابتعاد عن الحبيب، بل إنّها لا تهرب من قدر عيني الحبيب، فهما منيتها وغايتها، وأمانها الذي ترمي نفسها بأحضانهما.
وتعيش الشّاعرة في فضاء التّاريخ، إذ تعود إليه تقتبس منه ما يكوّن شخصيّتها، فيكون هناك ارتباط بين التّاريخ وأناها، وفي قصيدة طويلة بعنوان “زيارة قصيرة إلى التّاريخ”، تعيش الأنا في عدّة أمكنة، وتعود إلى عصور التّاريخ تتناص مع أحداثها وأزمانها، تحاول من خلالها أن تبحث عن ذاتها، وعن هذا الآخر/ الحبيب:
نظرت إليه مسحورة بحضوره الملكي
وقلت بشغف امرأة تشتهي التّاريخ
تشتهي الحب تشتهي الحقيقة
تشتهي الشّمس والنّهار والكتب
تشتهي الحبر والورق والقلم والكتب
تشتهي الأحرف والرّكض كل صباح خلف الشّمس
جئت أبحث عنك عن المعرفة عن الحقيقة
هي أنا باحثة عن الحقيقة، وكما جاءت الأنا الشّعريّة مستندة إلى ضمير المتكلّم والمخاطب، فقد جاءت هنا بصيغة الغائب، وفي بحث الأنا عن الحقيقة تعتمد على نماذج المرأة في التّاريخ، وتقدّم عرضًا للعديد من أحداث غيّرت مجرى الحياة، وهكذا كانت الأنا في حوار داخليّ للتّعبير عن الموقف مما يحدث من حولها، وتختم الشّاعرة قصيدتها المطولّة:
فيما قبضت أنا على الرّيح قال التّاريخ
أزحت رأسي عن صدره
نظرت إليه بذهول وقلق وقلت
بصوت أقرب إلى الهمس:
وأنا أيها التّاريخ قبضت على الجمر
إلى أن احترقت يدي احترقت أصابعي
أنظر الآن لم يعد هناك يد أصافحك بها عند الوداع
صراع مستمر، تخسر فيها الأنا الكثير في سبيل الحصول على المعرفة، أو الوصول إلى المجد.
وإذا التقت أنا الشّاعرة مع الأخر الرّجل ومع التّاريخ، فإنّها تلتقي مع الآخر المرأة، ففائزة سعيد ترى في المرأة سرّ الوجود، وهي حقيقة الحياة، ولا استمرارية من دون المرأة، وتغرق الشّاعرة في تقديم هذه الصورة المبهرة عن المرأة، والمرأة هي سرّ الكتابة والإبداع، بل إنّها القصيدة:
الحروف امرأة والأنوثة كتابة
الكتاب امرأة والأنوثة عناوان
المحبرة امرأة والأنوثة قلم
اللغة امرأة والأنوثة قصيدة
ويستمرّ هذا الدفق العاطفيّ الذي تعبّر فيه الشّاعرة عن حقيقة المرأة، هذه المرأة التي تكونها هي، فهنا تتقاطع الأنا مع الآخر، فيتحدان ويكتملان، وتكتمل امرأة الغيوم عند الشّاعرة، لتكون هي البداية والنّهاية:
وأمرأة الغيوم
بك بدا الزّمن
وعند قدميك ينتهي العصر
ويظهر واضحًا هنا هذا التّناغم بين الأنا والأنت، بين المرأة في الأنا والمرأة في الآخر، ما يشكّل تضخّمًا في الذّات النّرجسيّة الدّاعية إلى رفعة شأن المرأة، وفي ذلك رفعة لفضاء الأنا.
وإذا تتبّعنا هذه الأنا المعظمة من شأن المرأة نسوّغ تسطير ديوان كامل عنونته الشّاعرة بـ “مبدعات الحرف نساء وأسماء”، فيكون الدّيوان تحية وتقدير من فائزة سعيد إلى أقلام كتبت، وإلى يراع المرأة التي يحقّ لها أن تسمو وترتفع، بل إنّها ترى الحرف صناعة المرأة، وهي جزء منها:
الأحرف التي هي أنا
الحروف عندما تصبج
امرأة
اللغة عندما تصبح
امرأة
المفردات صناعة
امرأة
الكتابة عنوانها امرأة
الأدب حرفة امرأة
الشّعر. القصيدة
أصلها امرأة. أنثى
التّاريخ هو الآخر
امرأة
فالشّاعرة هي الحرف، والحرف هو الشّاعرة، وهذه الأنا تمثّل المرأة عمومًا، من هنا فإن خطاب الآخر أي المرأة المبدعة لم يقتصر على المبدعات، بل تتضخم الأنا الشّاعرة عندما تخاطب فائزة سعيد نفسها وتوجّه لها قصيدة كونها مبدعة من المبدعات:
فائزة سعيد
ماذا أكتب عنها وفيها
بأي الحروف أكتب
عنها وكل الحروف
عند اسمها تموت
ماذا أقول عنها وفيها
وهي أما وهي مني
وأنا منها
وإذا كنا نرفض أحيانًا من المرء أن يتحدّث عن نفسه، فإنّ هذا من الأمور المقبولة مع الأنا الشّاعرة، أو أنّه يجوز للشّاعر أن يمتلك هذه النّرجسية، فهذا المتنبي خلد بشعره الذي مدح فيه نفسه حتى عندما كان يمدح سيف الدّولة، لهذا يحقّ لفائزة سعيد أن تكتب عن نفسها وأن تعبّر عن إبداعها. وهي بذلك لم تخرج عن الفضاءات التي وسمت بها هذه الأنا، فكانت علاقتها مع الآخر الرّجل أو الآخر التّاريخ أو الآخر المرأة علاقة عفوية صادقة، وتتحوّل هذه الأنا إلى العنصر الرئيس الذي يسم النّص بالحيوية، وتتماهى هذه الأنا مع المحيط الإنساني، ومن هذا المحيط نرى تماهي الشّاعرة مع الطّبيعة.
والمحصّلة النّهائيّة تقودنا إلى أنّ الأنا هي الأنا في بعدها اللّغويّ والنّفسيّ والاجتماعيّ، متأثّرة بما تشهده من تغيّرات وتحوّلات وتطوّرات، فالأنا هي المحرّك الرّئيس، وهذه الأنا لا تشكّل أنا الفرد الذي يواجه الآخر، بل إنّ هذا الآخر نفسه يشكّل أنا ذاته وأنا جماعته.
ونختم بأن الشّاعرة فائزة سعيد تمتاز بأسلوب شاعريّ جميل ودفق عاطفيّ، ولغة تنساب وتترقرق كترقرق الماء العذب، فلا تعجز الكلمة أمامها، بل هي طيعة بين يراعها، تراودها فتستجيب لها من دون عناء أو تعب.
