ترام الإسكندرية
بقلم الكاتبة/ منى عاشور
الإسكندرية مدينة لا تُشبه غيرها، ليس فقط بفضل بحرها، بل بذاكرتها التي تمشي على قضبان حديدية. ترام الإسكندرية ليس مجرد وسيلة نقل؛ إنه “متحف حي” يجوب شوارع المدينة، وشاهد عيان على تحولات مصر منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم.
النشأة :
تعتبر شبكة ترام الإسكندرية الأقدم في أفريقيا والشرق الأوسط، ومن بين الأقدم عالمياً.
• تاريخ التأسيس: بدأت القصة في عهد الخديوي سعيد باشا، وتحديداً في عام 1860.
• المؤسس: مُنح الامتياز لتاجر إنجليزي يُدعى “إدوارد بارنيت”، الذي أسس “شركة ترام الإسكندرية والرمل المعاصرة”.
• أول رحلة: انطلقت في 8 يناير 1863، وكانت العربات في ذلك الوقت تُجر بواسطة الخيول.
محطات التطور :
شهد الترام تحولات تقنية كبرى واكبت النهضة العالمية في وسائل النقل:
1. عصر البخار: في عام 1863، تم استبدال القاطرات البخارية بالخيول، لكنها تسببت في مشاكل بيئية وضجيج للسكان.
2. عصر الكهرباء: التحول الحقيقي حدث في عام 1902، عندما تم تشغيل الترام بالكهرباء لأول مرة، وهو ما جعل الإسكندرية تسبق مدناً أوروبية كبرى في هذا المجال.
3. عصر الترام ذو الطابقين: في عام 1930، بدأ تشغيل الترام ذو الطابقين (Double Deck)، وهو التصميم الذي أصبح علامة مسجلة للإسكندرية، ليشبه في ذلك “باصات لندن” ولكن فوق القضبان.
خريطة الترام: الأزرق والأصفر
ترام الرمل (الأزرق)
يربط بين شرق المدينة ووسطها (محطة الرمل – فيكتوريا).
يخدم الأحياء السكنية الراقية والطلاب والموظفين.
عرباته أكثر حداثة ويوجد به “ترام سياحي” فاخر.
ترام المدينة (الأصفر)
يربط بين وسط المدينة وغربها وشرقها الداخلي.
يتوغل في الأحياء الشعبية والأسواق القديمة.
يُعرف بـ “الترام الشعبي” ويتميز بمساراته المتعرجة.
لماذا هو تاريخ مميز؟
لا يقتصر تميز الترام على كونه وسيلة نقل، بل لكونه جزءاً من الهوية الثقافية:
• التنوع الطبقي: الترام هو المكان الذي يجلس فيه المثقف بجانب العامل، والسائح بجانب الطالب.
• السينما والآداب: ظهر الترام كبطل صامت في عشرات الأفلام المصرية الكلاسيكية، وكتب عنه الروائيون (مثل إبراهيم عبد المجيد في ثلاثية الإسكندرية).
• عربة السيدات: خُصصت العربة الوسطى في ترام الرمل للسيدات فقط، وهي ميزة قديمة جداً تضمن الخصوصية والراحة، ثم اصبحت العربة الأولى .
رغم مرور أكثر من 160 عاماً، لا يزال الترام يرفض التقاعد. قامت الحكومة المصرية منذ فترة بتحديث عدد من العربات، واستيراد وحدات جديدة من أوكرانيا تتسم بالسرعة وتكييف الهواء، مع الحفاظ على القيمة التاريخية للمسارات القديمة.
• “ترام كافيه” (الترام السياحي) كانت تجربة لا تُفوت، حيث يمكنك احتساء القهوة والاستماع للموسيقى بينما تشاهد معالم المدينة تتحرك أمام عينيك.
أما الأن فلا عزاء للذكريات.
