تعليق على مقالة: "حين يخاف الرجل من البوح" للدكتورة سيما حقيقي –على مبدعات عربيات، 20 ديسمبر 2025
الدكتورة / رضوى إبراهيم
توقفت طويلاً أمام عنوان المقالة الجذاب، الذي يشد القارئ منذ اللحظة الأولى إلى توقعات مألوفة، اعتدنا سماعها خصوصاً بين النساء والفتيات حديثات العهد بالزواج، في محاولاتهن لفهم الطرف الآخر، والتعرف على أفكاره، والدخول إلى عالمه الغامض الذي كثيراً ما يعجزن عن تفسيره أو فك شفراته.
وقد جاءت مقالتك، دكتورة سيما، بأسلوب هادئ وتحليل عقلاني، مستندة إلى منهج معرفي نفسي حديث، يقوم على إعادة تشكيل التفكير التقليدي وتحويله إلى تفكير منطقي عقلاني، يُمكّن القارئ من إدراك الأفكار غير المنطقية وفهم أسبابها وما وراءها، ولماذا يتم تداولها دون وعي أو أسس معرفية واضحة.
رؤيتك كانت عميقة وعقلانية في تحليل نفسية الرجل حين يمر بتجربة عاطفية تمسّ مشاعره بصدق. فهو – في كثير من الأحيان – لا يسمح لنفسه بالانخراط في هذه التجربة بسهولة، بل يصدّها ويرفض الاعتراف بها، ويبتعد عنها رغم توقه الداخلي لها، وكأنها تهديد خفي لهويته أو لصورته الذاتية.
أعجبتني تحليلاتك الذكية في محاولتك فهم هذه العقلية المركبة، والتي يمكن وصفها – بمفاهيم علم النفس – بالعقلية العصابية. فالرجل العصابي يتميز بحساسية مفرطة وقلق دائم وخوف غير مبرر، وعندما يواجه تجربة عاطفية حقيقية، يرفض الاعتراف بها، خشية أن تزلزل كيانه الداخلي، أو أن تسلّم جزءاً من ذاته لكيان آخر – امرأة – يرى فيها تهديداً لسيطرته المعتادة على نفسه.
كما أشرتِ، فإن معظم الرجال لم يتعلموا التعبير عن مشاعرهم في مراحل نموهم الأولى، وبالتالي يفتقرون إلى أدوات التعبير العاطفي، ويخشون من الانكشاف العاطفي الذي قد يفضح هشاشتهم الداخلية. لذا، يفضلون الهروب أو الإنكار، حفاظاً على مساحة الحرية التي اعتادوا عليها، حتى وإن كانت هذه الحرية وهمية.
وهنا تكمن الأزمة الكبرى: كيف يعترف الرجل بمشاعر يخشاها ويظن أنها تضعفه؟ كيف يواجه ذاته بصدق ويعترف بما يشعر به؟ هذا الاعتراف يتطلب شجاعة داخلية ونضجاً نفسياً، وقدرة على التحرر من التفكير العصابي، وإعادة تعلم المشاعر والتصالح معها.
لقد طرحتِ، دكتورة سيما، تصوراً عميقاً ومقنعاً: أن النضج هو نقطة الانطلاق نحو فهم الذات والتصالح معها. فالرجل بحاجة إلى أن يعيد اكتشاف ذاته الأقل عصابية، ويتقبل مشاعره كجزء من قوته، لا من ضعفه. فالتعبير عن المشاعر ليس تهديداً، بل شجاعة، والاعتراف بها هو ما يمنحه التوازن والقدرة على عيش حياة أكثر صدقاً وامتلاءً.
في الختام، استمتعت كثيراً بقراءتي لمقالك التحليلي الرصين والمشوّق، الذي غاص في منطقة شديدة التعقيد من النفس البشرية، تلك التي طالما بدت عصية على الفهم، ليس فقط من قِبل النساء، بل حتى من قِبل كثير من الرجال أنفسهم.
