حمامات الإسكندرية الأثرية
بقلم الأستاذة/ يسرية الغندور
ليست الإسكندرية مجرد مدينة ساحلية، بل هي طبقات من التاريخ المتراكم بعضها فوق بعض. يلمس حديثنا عن الحمامات العامة جانبًا حيويًا من تراث “عروس البحر المتوسط” الذي يمزج بين الرفاهية، العمارة، والاجتماعيات.
ازدهرت الحمامات العامة بتفاصيلها المعمارية المعقدة (مثل أنظمة التسخين تحت الأرض) بشكل أكبر في العصر الروماني والعصر الإسلامي لاحقاً، مما جعل هذه الحمامات علامة فارقة في تاريخ الإسكندرية:
1. الهندسة المعمارية (فن الاسترخاء)
كانت الحمامات تُصمم بنظام دقيق يشمل ثلاث غرف أساسية، تضمن انتقال الجسم تدريجياً بين درجات الحرارة: الحجرة الباردة للاستقبال والراحة. الحجرة الدافئة لتهيئة الجسم. الحجرة الساخنة وهي جوهر “السونا” القديمة.
لم تكن الحمامات مكانًا للاستحمام فقط، بل كانت بمثابة “نادي اجتماعي”. فيها تُعقد الصفقات التجارية.
تُناقش أمور السياسة والفلسفة.
كانت رمزاً للديمقراطية، حيث يجتمع الغني والفقير في نفس المكان (مع اختلاف درجات الخدمة بالطبع).
والمهنة التي اندثرت مع دخول التكنولوجيا والمواسير والمنازل الحديثة، اختفت مهن مثل “المكيساتي” (الذي يقوم بتدليك وتنظيف الجسم) والوقاد(المسؤول عن تسخين المياه)، وتحولت هذه المباني العظيمة إما إلى مزارات سياحية أو بقايا أثرية تحت الأرض، مثل حمامات كوم الدكة الشهيرة في قلب الإسكندرية.
2-واليونانيون هم من وضعوا النواة الأولى لفكرة الاستحمام كطقس رياضي واجتماعي، ولكنها تحولت مع الوقت إلى “صناعة ترف” متكاملة.
الطقوس الأسبوعية (يوم الحمام)
كان الذهاب للحمام طقساً أسبوعياً مقدساً، خاصة يوم الجمعة للرجال أو في المناسبات الخاصة للنساء. لم يكن الهدف النظافة فحسب، بل:
الاستجمام النفسي: الهروب من ضجيج الحياة والتمتع بـ “المساج” والزيوت العطرية.
التكافل الاجتماعي: كانت الحمامات متاحة للجميع، مما جعلها مكاناً تذوب فيه الفوارق الطبقية خلف “الفوط” والمناشف.
في عهد محمد علي باشا، شهدت الإسكندرية نهضة عمرانية وانفجاراً سكانياً نتيجة توسع الميناء والتجارة. هذا أدى إلى:
حاجة العمال والحرفيين (الذين لم تكن بيوتهم مجهزة بحمامات خاصة) إلى وسيلة للاستحمام.
انتشار الحمامات كـ مشروع استثماري مربح، حيث كان يتنافس أصحاب الحمامات في تقديم خدمات إضافية مثل المشروبات (القرفة والزنجبيل) والشيشة والموسيقى.
3-وفكرة وصول عدد الحمامات إلى 4000 حمام تعكس مدى ضخامة المدينة وكثافتها السكانية في العصر الإسلامي.
الهندسة المعمارية والذكاء البيئي
لم تكن الحمامات مجرد غرف للاستحمام، بل كانت معجزات هندسية في وقتها. كانت تعتمد على نظام “البيت الساخن” والبيت الدافئ والبيت البارد لضمان التدرج الحراري للجسم، مع نظام تسقيف “القباب” المليئة بفتحات زجاجية ملونة (القمريات) لتوفير إضاءة طبيعية مع الحفاظ على الخصوصية. ويعتبرالحمام كـ “مركز اتصالات” قديم قبل عصر الصحف والإنترنت، كانت الحمامات هي “الشبكة الاجتماعية” الحقيقية:
سياسياً: كانت مكاناً لتداول الأخبار وتشكيل الرأي العام بعيداً عن أعين الرقباء.
اجتماعياً: كانت العرائس يحتفلن فيها بليلة الزفاف، وكان يتم فيها عقد الصفقات التجارية بين التجار القادمين عبر ميناء الإسكندرية.
وكانت الحمامات منتشرة في غرب الاسكندريه بسبب “عدم وصول المياه للمنازل” حيث كانت الإسكندرية تعتمد تاريخيًا على صهاريج المياه الجوفية التي تمتلئ خلال فيضان النيل عبر “خليج الإسكندرية”. كانت المناطق البعيدة عن مسار القنوات الرئيسية تعاني من شح الإمدادات المباشرة، مما جعل الحمامات العامة ضرورة لا غنى عنها للعيش.
ويقع حمام المصري في منطقة سوق الجمعة غرب الإسكندرية وهو ليس مجرد مبنى للخدمات قديماً، بل هو وثيقة اجتماعية ومعمارية حية وهو الناجي الوحيد
في حين اندثرت حمامات تاريخية شهيرة (مثل حمام الذهب وحمام الشام)، ظل حمام المصري صامدًا ليكون الشاهد الأخير على ثقافة الحمامات الشعبية التي كانت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية والطقوس الاجتماعية للسكندريين.
الطراز المعماري: يتكون من طابقين ويتبع الطراز الإسلامي في تقسيم المساحات (المشلح، بيت الحرارة، والمنزع)
خزينة الأسرار: كانت هذه الحمامات ملتقى للنخبة ورجال الدولة وكبار التجار، حيث كانت تُحاك القصص وتُعقد الصفقات بعيداً عن صخب الشوارع.
وقد تم تسجيل المبنى كأثر بوزارة السياحة والآثار هو خطوة حماية قانونية تمنع هدمه أو المساس به، ولكن التحدي الحقيقي يكمن في:
الترميم الدقيق: معالجة الرطوبة والأملاح التي تؤثر عادة على المباني الأثرية الساحلية.
إعادة الاستغلال وتحويل الحمام إلى مركز ثقافي أو متحف يحكي تاريخ الحمامات الشعبية، مما يضمن تدفق الزوار وصيانته المستمرة.
إحياء المنطقة: تطوير الحمام قد يكون نواة لتنشيط السياحة التراثية في منطقة المنشية العريقة.
