حين لا يعبر الألم…
بقلم: د. سيما حقيقي
التجارب المؤلمة لا تمر في حياتنا كحادثة عابرة، بل يستقر أثرها الصامت طويلًا، ثم يُعيد تشكيل الداخل ببطءٍ لا يُرى.
في حياة كل إنسان، تمر تجارب تختلف في شدتها وأثرها. بعضها نعبره مرورًا خفيفًا لا يترك أثرًا يُذكر، وبعضها يتسلل إلى الداخل، يستقر في الزوايا الخفية، ويبدأ بصمتٍ في إعادة ترتيبنا من حيث لا ننتبه.
الألم ليس مجرد حدثٍ يقع ثم ينتهي، بل طبقة وعي تتكوّن، ومساحة داخلية جديدة تتشكل، تغيّر نظرتنا لأنفسنا، وتعيد تعريف علاقتنا بالحياة، وبالزمن، وبما نحتمله.
فحين يستقر الألم في الداخل، يبدأ شيء يشبه الغوص. ليس غوصًا نحو الغرق، بل نحو الفهم. نغوص لأن السطح لم يعد كافيًا، ولأن ما حدث أكبر من أن يُفهم من بعيد.
وكل تجربة مؤلمة، كل تراما، هي فصل صامت في الرواية الداخلية للإنسان. تعيد رسم حدوده، وتكشف هشاشته وقوته في آنٍ واحد، وتضعه وجهًا لوجه أمام نفسه، من دون أقنعة.
غير أن مسار التعافي لا يسير بالإيقاع نفسه لدى الجميع.
فالرجل، في الغالب، يتجه نحو الصمت، نحو الانسحاب المؤقت، يحلّل، يعيد ترتيب الفوضى داخله، ويبحث عن معنى يمنحه إحساسًا بالسيطرة قبل أن يسمح للألم أن يظهر.
أما المرأة، فتميل إلى العبور عبر الشعور ذاته. تسمح للألم أن يُقال، أن يُعاش، أن يُفهم، تغوص في التجربة بكل طبقاتها، ثم تعيد بناء نفسها من الداخل، بهدوءٍ لا يقل قوة عن الصمت.
الطريقان مختلفان، لكن الغاية واحدة: التعافي لا يعني محو ما حدث، بل فهم كيف غيّرنا، وكيف نعيش بعده بوعيٍ أوسع.
التجارب الصعبة، رغم قسوتها، تمنحنا فرصة نادرة: أن نعيد الاتصال بذواتنا، أن نرى أنفسنا بوضوحٍ لم يكن متاحًا من قبل، وأن نفهم ما يستحق أن يبقى معنا، وما يجب أن نتركه خلفنا.
وحين نصل إلى هذه النقطة، نكتشف أن التعافي ليس تجاوزًا، بل اختيارًا. اختيار ألا نسمح للألم أن يقود الطريق، وأن نحمله معنا كدرس، لا كقيد.
ومع الوقت، يدرك الإنسان أن التعافي لا يعني محو ما حدث، بل فهم كيف غيّرنا، وتعلّمنا كيف نعيش دون أن نتركه يقود الطريق.
فنخرج من الألم أكثر وعيًا،
أخفّ مما كنا،
أصدق مع أنفسنا،
ونترك خلفنا ما أثقلنا بهدوء، دون ضجيج،
لتُضيء ما تبقى من أيام العمر.
