حين نُرهق أنفسنا ونحن نظن أننا نعيش
بقلم: د. سيما حقيقي
هناك نوع من التعب لا يُشبه التعب.
لا يظهر على الملامح، ولا يُفسَّر بقلة النوم أو كثرة العمل. تعبٌ يتسلّل بهدوء، ويقيم في الداخل، ويجعل الحياة تبدو وكأنها تُدار… لا تُعاش.
ننهض كل صباح، ننجز، نخطّط، نبتسم حين يجب، ونؤدّي أدوارنا بإتقان. نُقنع أنفسنا أننا بخير، لأن كل شيء “يسير كما ينبغي”. لكن شيئًا ما في الداخل لا يتحرّك. لا يتألّم بصوت عالٍ، ولا يحتج، ولا ينهار، بل يكتفي بالتآكل البطيء.
لسنا متعبين فقط مما نعيشه، بل مما نحتفظ به طويلًا.
فليس كل إحساس يمرّ بنا يتحوّل إلى حياة، نحن نعيش فقط ما نسمح له أن يستقر. تمرّ المشاعر كما تمرّ الريح عبر نافذة مفتوحة، لكن بعضها نغلق عليه الداخل، نُعيده إلى الذاكرة، نُراجعه، نُفسح له المكان… حتى يصبح حالة دائمة، لا إحساسًا عابرًا.
وهنا يبدأ الإرهاق الحقيقي.
لا من كثرة المسؤوليات وحدها، بل من العيش الطويل في وضعية الانتباه الدائم. أن نكون يقظين أكثر مما نحتمل، نراقب أنفسنا باستمرار، نُعدّل ردود أفعالنا، ونختار كلماتنا بعناية، حتى ننسى متى كانت آخر مرة تصرّفنا فيها دون حساب.
نُرهق أنفسنا حين نعيش داخل صورة، لا داخل إحساس.
حين نقيس نجاحنا بما يُرى، لا بما نشعر به.
وحين نُقنع ذواتنا أن الاستقرار يعني الصمت، وأن النضج يعني التنازل المستمر، وأن الحكمة تعني تأجيل الذات… قليلًا، ثم قليلًا آخر، إلى أن يصبح التأجيل عادة لا ننتبه لها.
بعض الناس لا يتعبون لأنهم مرّوا بالكثير، بل لأنهم احتفظوا بالكثير. خزّنوا المشاعر غير المُعالجة، والأسئلة المؤجَّلة، والحوارات التي لم تُقَل، حتى صار الداخل مزدحمًا أكثر من اللازم. وحين يمتلئ الداخل، لا يعود قادرًا على استقبال الجديد. لا فكرة، ولا علاقة، ولا فرح، تدخل دون أن تصطدم بما لم يُرتّب بعد.
المفارقة أن هذا النوع من الإرهاق لا يصرخ.
لا ينهار.
لا يطلب النجدة.
بل يتقن التكيّف، ويُجيد الاستمرار، ويُقنع الجميع — حتى نفسه — أن الأمور بخير، بينما يفقد الإحساس بالاتجاه.
النضج لا يعني أن نصبح أقل إحساسًا، بل أن نصبح أكثر دقّة في الاختيار. أن نُميّز بين ما شكّلنا، وما استهلكنا. بين ما علّمنا، وما أبقانا معلّقين في زمنٍ لم يعد موجودًا. ليس كل ما نشعر به يجب أن يتحوّل إلى هوية، وليس كل ما مررنا به يستحق أن يُعرّفنا.
الإرهاق الحقيقي يبدأ حين نُكمل الطريق ونحن نعرف في الداخل أن الاتجاه لم يعد صحيحًا، وحين نُجيد الاستمرار أكثر مما نُجيد الإصغاء. وحين نُسمّي التحمّل حكمة، بينما هو في الحقيقة خوف من الفراغ… أو تردّد في التخلّي.
وهنا، لا يكون الحلّ في الهروب، ولا في تغيير كل شيء دفعة واحدة، بل في سؤال بسيط… وصادق:
هل ما أعيشه الآن يُغذّيني؟
أم يستهلكني ببطء وأنا أُسمّيه حياة؟
أحيانًا، لا نحتاج إلى راحة جسدية، بل إلى راحة من التمثيل.
من التوقّعات.
من محاولة أن نكون “نسخة مناسبة” في كل مكان.
الحياة لا تُقاس بعدد ما نُنجزه، بل بعدد اللحظات التي نشعر فيها أننا حاضرون فعلًا. حيث لا نؤدّي، ولا نُجامل، ولا نُراقب أنفسنا من الخارج. وحيث نملك الشجاعة أن نُعيد ترتيب ما نسمح له بالبقاء في الداخل.
وحين ننتبه لهذا الإرهاق الصامت، لا نكون قد تأخّرنا، بل نكون قد وصلنا.
وصلنا إلى لحظة وعي لا تطلب منّا الانقلاب على حياتنا، ولا الهروب منها، بل تدعونا فقط إلى أن نراها كما هي… دون تزيين، ودون أداء.
أن نسأل أنفسنا، بهدوء لا يخلو من الشجاعة:
هل نحن حاضرون في أيامنا؟
أم نؤدّيها بإتقان بينما نفقد الإحساس بها؟
ربما لا نحتاج إلى قرارات كبيرة، ولا إلى تغييرات جذرية، بل إلى إعادة ضبط علاقتنا بما نعيشه. أن نُخفّف من ثقل المراقبة الدائمة، ومن ضغط أن نكون دائمًا “مناسبين”، وأن نسمح لأنفسنا بمساحة صادقة نعيش فيها دون حساب.
فالحياة لا تُرهقنا لأنها كثيرة، بل لأنها تُعاش أحيانًا من الخارج أكثر مما تُعاش من الداخل.
وحين نعيد هذا التوازن، لا نغيّر مسار الطريق، بل نغيّر طريقة السير فيه.
