حين يخاف الرجل من البوح… ويهرب حين يبدأ الحب
بقلم الدكتورة / سيما حقيقي
قد يبدو الرجل من الخارج متماسكًا، واثقًا، قادرًا على إدارة حياته بلا تردّد.
لكن ما إن تقترب المشاعر من منطقة الاعتراف، حتى يتغيّر المشهد.
يصمت حيث يُفترض أن يتكلم، ويتراجع حيث يُفترض أن يقترب، ويهرب أحيانًا من امرأة لا يختلف على إعجابه بها أحد… سوى خوفه هو.
فالرجل لا يخاف المشاعر لأنها ضعفه، بل لأنها تكشفه.
الاعتراف بالمشاعر لا يعني عنده فقط أن يقول “أحب”، بل أن يسلّم جزءًا من صورته الداخلية لامرأة أخرى.
أن يسمح لها بأن ترى ما لا يراه الآخرون، وأن تمتلك قدرة — ولو رمزية — على التأثير في توازنه،
وهذا بحد ذاته تهديد لهوية تربّى على السيطرة لا المشاركة.
كثير من الرجال لم يُعلَّموا كيف يشعرون، بل كيف يُخفون شعورهم.
لم يتدرّبوا على تسمية العاطفة، وإنما على كبتها، أو تحويلها إلى فعلٍ عملي، أو إنكارها حتى تختفي… أو يظنّون ذلك.
ولهذا، حين يقترب الحب الحقيقي، لا يتعامل الرجل معه كمساحة دفء، بل كمنطقة خطر.
الخوف هنا ليس من المرأة، ولا من العلاقة، بل من الانكشاف.
أن تحب امرأة بعينها، يعني أن تصبح أقل قدرة على الادّعاء، وأقل حرية في الهروب، وأكثر حضورًا في منطقة لم يُدرَّب على الوقوف فيها طويلًا:
منطقة الشعور الصادق.
ولهذا، قد يُعجب الرجل بامرأة بعمق، يحترم عقلها،
ينجذب إلى حضورها، يشعر بخصوصية التواصل معها، ثم… يبتعد.
ليس لأنها لا تعنيه، بل لأنها تعنيه أكثر مما يحتمل.
فالمرأة التي تلمس الداخل، وتفتح الأسئلة التي لا إجابات جاهزة لها، وتستدعي نسخة صادقة من الرجل، تُربكه.
هي لا تطلب منه شيئًا مباشرًا، لكن وجودها يطالبه بكل شيء: بالصدق، بالوضوح، وبالقدرة على البقاء.
وهنا يظهر الفارق بين الإعجاب والحب. الإعجاب يسمح بالمسافة، أما الحب… فيطلب الحضور.
والرجل الذي لم يتصالح مع ذاته العاطفية، يرى في هذا الطلب عبئًا لا نعمة. فيهرب.
يبرّر انسحابه بانشغاله، أو بتوقيته غير المناسب، أو بعدم استعداده للارتباط، أو بظروفه المعقّدة، بينما الحقيقة أبسط وأعمق: هو غير مستعد لأن يُرى كما هو.
فالاعتراف بالمشاعر لا يُخيف الرجل لأنه ضعف، بل لأنه التزام داخلي لا يمكن التراجع عنه بسهولة. كلمة واحدة قد تغيّر شكل العلاقة، وتفرض عليه وضوحًا لا يريد تحمّل تبعاته.
ومن هنا، يفضّل بعض الرجال أن يحتفظوا بالمشاعر في منطقة آمنة: داخلهم فقط.
يعرفون أنهم يشعرون، لكنهم لا يمنحون الشعور صوتًا، حتى لا يتحوّل إلى واقعٍ يُطالبهم بشيء.
أما الرجل الناضج، فهو الذي يفهم أن البوح ليس خسارة، بل شجاعة. وأن الحب لا يسلبه قوته، بل يعيد تعريفها.
هو لا يرى في المرأة مرآة تهديد، بل مساحة صدق.
ولا يرى في التعلّق قيدًا، بل اختيارًا واعيًا.
وهنا فقط،
يتوقف الهروب، ويبدأ اللقاء الحقيقي.
فالخوف من البوح ليس مشكلة في الحب، بل في التربية العاطفية.
والخوف من التعلّق ليس ضعفًا، بل علامة على رجل لم يُعلَّم أن القرب لا يعني الفقد.
وفي اللحظة التي يتصالح فيها الرجل مع مشاعره، لا يعود الحب ساحة اختبار، ولا المرأة احتمال خسارة، بل شراكة إنسانية يختارها…
ويبقى.
