( خلف القمر) للكاتب أحمد سمير

WhatsApp Image 2026 01 29 at 8.51.50 PM

( خلف القمر) للكاتب أحمد سمير ورقة نقدية بعنوان (لُعبة غير مرئية)

بقلم الكاتبة/ ناهد تاج 

WhatsApp Image 2026 01 29 at 8.52.11 PM



أول عتبات النص: العنوان، التصنيف، الغلاف.

العنوان: (خلف القمر) من المعروف أن خلف القمر هو الجانب البعيد المظلم، ويرمز للمجهول لأنه غير مرئي.

خلفية العنوان ترمز إلى أن المحتوى يتحدث عن البعد الثالث للأفكار والمفاهيم والمعتقدات الراسخة في العقول والوجدان برغم أن بعضها ليس لها أساس من الصحة واتباعها مثل من يتبع القطيع دون وعي أو إدراك لمردود هذه القناعات في المستقبل….

العنوان الفرعي: (عالم بطولي متخيل) غالبا يضيف العنوان الفرعي معلومة تكميلية للعنوان الرئيسي، مما يسهم في توضيح طبيعة العمل، لجذب انتباه القارئ وتوجيهه أو إثارة شغفه وتشجيعه على قراءة المحتوى، رغم اختلاف بعض وجهات نظر القراء والنقاد حول سلبية وإيجابية إضافة العنوان الفرعي.  

التصنيف: (اللارواية)، أولا الرواية هي سلسلة مطولة من الأحداث تصف الأماكن والشخصيات في صورة سردية متماسكة تبدأ بالمقدمة ثم العقدة وتنتهي بالحل أو تُترك النهاية مفتوحة، بينما (اللارواية) مصطلح، يعصف بالقواعد والمعايير السردية المعتادة للنص الروائي، كنوع من التحدي أو التمرد على الأسس والمبادىء التقليدية المتعارف عليها، اللارواية ترفض محاكاة الواقع المادي وتلجأ إلى أفكار مجردة من الثوابت لعوالم غير تقليدية تشبه الفوضى الفكرية باستخدام أساليب سردية غير مألوفة مثل لغة الراوي غير المنطقية، أو تداخل الأزمان….    

 وهذا التصنيف (اللارواية) اختيار ذكي من الكاتب لأنه جعلنا نتوغل بطريقة غير مباشرة إلى عمق الأحداث برغم أننا ما زلنا نقف عند عتبة التصنيف.


“الغلاف”

التكوين: لوحة تعبيرية لامرأة تحمل رضيعها النائم في أمان واطمئنان إلى ناحية قلبها، بينما زاوية عينيها المغلقتين متجهة نحو كتاب مفتوح كأنها غفت وهي تقرأ، ربما لشعورها بالسلام الداخلي المستنبط من العالم المتخَيل، الزهور والفراشات المحيطة بالمرأة والرضيع تبدو كإطار للوحة، وتعبر عن أن محتوى الكتاب يبعث على الراحة بمعلومات جاذبة ومفيدة رغم أن شعر المرأة غير منسدل على براح كتفيها بينما هو مربوط أعلى رأسها، يرمز إلى عقدة تؤرقها وتثقلها بالهموم، لكن الهالة المحيطة بها تعبر عن وجود الأمل في المستقبل القريب أو البعيد.

الألوان: اللون الوردي الفاتح في الخلفية يقول إننا سوف نسعد بقراءة هادئة  وحالمة، اللون البرتقالي للعنوان يأخذ نسبة أكثر من اللون الأصفر، يؤكد على الإحساس بالحياة الهادئة الغنية بالتفاؤل كأنه دفء عاطفي يلقي بضياءه على وجه الأم ورضيعها،  بينما الورود والفراشات تأخذ اللون الأزرق الكوبلت وهو لون معدني موجود بين طبقات الأرض، وموجود أيضا في جزيئات بنية الإنسان، وهذا معناه إن دورة حياة الإنسان مهما طالت أو قصرت، بحلوها ومرها بدأت بخلقه من الأرض وسوف تنتهي أيضا برجوعه إلى الأرض.

“المحتوى”

 ينقسم المحتوى إلى جزئين. 

الجزء الأول: بعنوان (بلا أبطال) 

يحتوي على مشاهد في شكل قصص قصيرة جدا، تشرح صور متعددة للبطولة الزائفة.

بدأ الكاتب بجملة لخصت هذا الجزء، (الأبطال كالديناصورات؛ يعيشون في الذاكرة رغم الانقراض.)

يرى المتحدث أو الراوي، أن البطولة الزائفة وهم كبير في صورة مرض معدي، يبدأ بالغواية وينتهي بالهلاك؛ الجميع يلهث وراء اكتساب لقب البطولة بغض النظر عن الثمن الذي يدفعونه للحصول عليها؛ حتى الشهداء بعضهم يضحون بأرواحهم فقط من أجل اكتساب هذا اللقب ويظنون أن مثواهم عند ربهم أحياء يرزقون. 

_في لعبة عبثية ذهب “العدو” إلى “حكيم الزمان”، يصرخ ويستغيث من هؤلاء الأقوام الذين يعشقون الموت ويتنافسون عليه.   يعتقدون أنه مفتاح باب الجنة، ويهللون فرحا لأنهم سيحصلون على السعادة والراحة الأبدية. 

رد عليهم الحكيم بابتسامة خبيثة: 

المكر يهزم الأبطال، والفتنة تقهر الرجال، بينما الشجاعة كفيفة، ثم أخرج من جيبه عملة ذهبية طبق عليها أنامله وقال: هذه حفنة من الدنيا.

المغزى من هذا القول أن البطولة الحقيقية تكمن في العقل المفكر الذي يدرك أن (الوطن بحاجة إلى أن نحيا لأجله لا أن نموت ونتركه يحيا وحيدا) بمعنى إن كل إنسان يجب عليه أن يفتش داخله، يكتشف ذاته، يقوي مواطن الضعف ويزيد مواطن القوة, ولا يهتم بمشاهدة صورته في عيون الآخرين. 

باختصار أن تكون بطل نفسك هذه هي الشجاعة، لأن الخسارة الكبرى أن تبدو لامعا في أعين الناس بينما داخلك منطفئ.

_هناك صور أخرى للبطولة الزائفة في هذا الجزء: 

التنافس على كل عرض زائل، مثل كرسي الحكم، ومن يغشيهم بريقه فيتناحرون ويتقاتلون ويسفكون الدماء وإن أمكن يتحالفون مع الشيطان؛ يتملقون باسم الدين فقط لكي يَذكر التاريخ أمجادهم الواهية، والحقيقة أن التاريخ الذي كُتب على أيدي المنتصرين دوما في محل شك، كما قال السارد: (حرفوا كتب السماء فما بالك بما كتبه الإنسان)

 بعض الجمل الأخرى على لسان الراوي العليم:

_ليس من شيم الأبطال أن تمنحني حرية مشروطة بقائمة طويلة من المحظورات.

_ليس من البطولة أن تُقصي من أمامك كل من يخالفك الرأي.

_ليس من البطولة أن ترحل وتتركني أواجه مصيرا مجهولا سُقتني أنت إليه.

ومن أشهر البطولات الزائفة في نهاية الجزء الأول، هي وليدة الحداثة، مثل كل من ترك أرضه الزراعية “منبع الخير والثراء” وسافر للعمل بالأجر في الدول العربية ثم عاد بحفنة نقود دفن بها أرضه تحت الكتل الأسمنتية متوهما أن البناء والتعمير سوف يجعله البطل الثري في أعين الفلاحين الغلابة؛ أما الكارثة الكبرى وهي الوهم الكبير المسمى بالتقَنية أي التكنولوجيا التي طمست العقول وأهدرت قيمة الوقت عبر وسائل التواصل، وكيف تُرتكب الحماقات المسماة ب (الترند) فأصبح التافهين الفارغين هم الأبطال والقدوة للأجيال الجديدة.

في حديث نبوي شريف يصف النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة”. وعندما سُئل عن الرويبضة، أجاب الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه الرجل التافه الذي يتكلم في أمور العامة.



الجزء الثاني: بعنوان (خلف القمر)، يبدأه الكاتب بحكمة، يقول:

 (حتما سيحدث ما تتخيله بكل ما أوتيت من يقظة).

هذا الجزء يحتوي على قصة واحدة؛ البطلة الرئيسية “عفاف”، تعيش تفاصيل حياتها في الحلم واليقظة مع زوجها البطل الشهيد “ثائر”؛ يتحدثان ويتناقشان في شتى أمور حياتهما وعن طفلهما الذي اقترب موعد ولادته، وعندما أعدت له مفاجأة حصولها على موافقة الجهات المعنية بوضع اسمه على لافتة الشارع والمدرسة التي بالجوار تخليدا لذكراه، “الشهيد ثائر عز الدين”؛ غضب منها وسالت دموعه من شدة الحزن؛ وقال لها: ما لهذا خرجنا…؛ ثم غاب عنها، أصبحت تذرف الدموع وتناجيه لكي يأتي إليها مرة أخرى حتى لو في الحلم فقط، وظلت تتذكر كلماته عن عشقه للوطن، 

جاهدت والدتها في مواساتها عندما رأتها في حال يرثى لها، قالت لها:

زوجك من الشرفاء الذين أخلصوا في حب الوطن دون أن ينتظر مدحا أو وساما، وأعظم أمانيه أن يرى وطنه بأفضل حال، ثم أوصتها بأن تعتني بحالها وبجنينها الذي لابد أن تعيش من أجله؛ بعد ليال طوال زارها زوجها مرة أخرى في الحلم وقال لها: أنا لم أغضب منك ياعمري أنا حزين على وطن منهوب دوما، يُسرق منه كل شيء حتى الثورة وكيف أفرح باسمي مكتوب على ناصية شارع تشهد كل يوم ضياع الشباب، لا عيش لا حرية ولا عدالة اجتماعية.

أخذ السارد منحنى آخر عن لسان الشهيد “ثائر” وكيف وصف لزوجته أن السلاح الآمن هو القراءة والتزود بالمعرفة، وأن الثقافة علاج لآفة الجهل الذي بسببه ضاعت أوطان كثيرة، تضحك “عفاف” لأنها لا تهتم بالقراءة وتكتفي بأخذ معلوماتها من اليوتيوب.

في زيارة منها لوالد زوجها المهندس المتقاعد “عز الدين” العاشق للقراءة أهداها كتاب من مكتبته الكبيرة المكتظة بالكتب، بعنوان: (الكتاب الذي تتمنى لو قرأه أبواك وسيكون أطفالك سعداء لأنك قرأته) “لفيليبا بيري” معالجة نفسية وكاتبة بريطانية؛ وهنا يظهر رمز غاية في الذكاء، وهو إهداء الماضي للحاضر كنزا من المعرفة لكي يسلمها إلى المستقبل،

(الكتاب “كنز المعرفة”  من عز الدين “الماضي”  إلى عفاف “الحاضر”  ثم طفلها “المستقبل”) 

في البداية لم تكترث “عفاف” لقراءة الكتاب وظلت هائمة في أحلامها مع زيارات “ثائر” وكلمات العشق التي يدثرها بها وتوجيهاته لها في كيفية تربية طفلهما حتى أنه اختار له اسم “صلاح”، إلى أن وضعت حملها وتبدلت أحوالها، أصبحت تشعر بالواجب والمسؤولية تجاه ولدها، تزودت بالقراءة وعملت جروب على الواتساب تتحدث فيه إلى الأمهات حديثي الولادة عن كيفية تنشئة الأطفال على العلم والمعرفة بدلا من التدليل المفرط، كما حذرت من خطورة إلهاء الأطفال لأن كثرة اللهو تقمع قدرة العقل على التفكير، وهذه هي السياسة التي تتبعها الحكومات مع الشعوب. 

قال الراوي:  لا تفرض إرادتك على طفلك فيتعلم الإذلال، وطفلك يكذب لأنك لا تتقبل الحقيقة.

تنشئة “صلاح” بكل هذا الكم من الوعي والإدراك جعلت منه شخصا قياديا مسؤولا عن أفكاره وأفعاله، أخذ يساعد والدته في انتشار المعرفة بين الأحياء بإنشاء مكتبة في كل شارع، كما اشتهرت “عفاف” وسُلطت عليها الأضواء وأصبحت قدوة حسنة للأمهات والآباء أيضا، في المشهد قبل الأخير نجح “صلاح” في الثانوية العامة بمجموع يؤهله لدراسة علوم الفلك والأجرام السماوية كما كان يرغب، وعندما أسرع إلى جده “عز الدين” لكي يبشره بالنتيجة وجده فارق الحياة لكنه ترك له رسالة مؤثرة عن الحياة والموت وكيف أن الإنسان مهما عاش ومهما فعل سوف يعود من حيث أتى، وهنا يطغى الأزرق الكوبلت على هذا المشهد.

في الختام مفاجأة مذهلة وغير متوقعة، تعود بنا إلى العنوان الفرعي، الذي يضعنا في حيرة بين العديد من الأسئلة المرهقة 

هل الجهل نعيمًا لأنه يمنع الإنسان من رؤية الحقائق المؤلمة في الواقع؟      

هل الفهم جحيمًا لأنه يكشف عن حقائق غير مرغوبة أو صعبة التحمل؟  

هل نحن قانعون بأننا نعيش أمام القمر في وضوح تام ونعي بكل ما نفعل؟ 

أم أننا نعيش خلف القمر في خنوع غير عابئين بما ينتظرنا من ظلام؟

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *