ديستوبيا العدمية والعبثية في رواية كل شيء هادئ في مدينة الرب للكاتب إسلام علي

WhatsApp Image 2026 01 08 at 6.22.09 PM

ديستوبيا العدمية والعبثية في رواية كل شيء هادئ في مدينة الرب للكاتب إسلام علي

بقلم الكاتبة / سحر النحاس

WhatsApp Image 2026 01 08 at 6.11.54 PM



ديستوبيا هو عكس أدب المدينة الفاضلة أو يوتوبيا ، وقد تعني الديستوبيا مجتمع غير فاضل تسوده الفوضى، فهو عالم وهمي ليس للخير فيه مكان، يحكمه الشر المطلق. ومن أبرز ملامحه الخراب.وتحكم قوي الشر والظلام في مصائر البشر وسيادة الظلم وانتشار الرذيلة وغياب العدل .


محاور وتقنيات الحبكة الدرامية للرواية :

استهل الكاتب روايته بمشاهد الخراب والدمار الذي حل بالعالم نتيجة كارثة نووية قطعت الاتصالات وتسببت في دمار وهلاك البلدان وموت البشر وسقوط الأمطار الحمضية التي تهلك الأجساد وزوال الحضارات وغياب الشمس في مشهد تشاؤمي مأساوي شديد السوداوية لتركز الأحداث علي مدينة ساحلية اشتهرت بجمالها وتاريخها الأسطوري علي البحر المتوسط وهي الإسكندرية لتكون هي مركز أحداث الرواية والمكان الذي وقع عليه الاختيار لتكون تحت وطأة الحاكم الظالم أزاس  وعشيرته وجلاده 

المحور الأول: الخراب والفوضى


ارتكزت الرواية على محورين متوازيين. أولهما خط الديستوبيا الممثل في الخراب والفوضى التي تحل عادةً بعد الكارثة المتمثلة في حالة الخوف والفزع، عموم الفوضى وغياب الأمن، ظهور الجماعات الإجرامية المسلحة، حالات الخراب والقتل والموت، انعدام الأمل في المستقبل، سيطرة الغوغائية وظهور خفافيش الظلام. اعتلاء الأسوء على مقاعد السلطة الممثل في أزاس، يتبعه الجلاد، ذلك الفتى الذي ترك وظيفته كصيدلاني بعد أن كان أمل والديه ليعمل لدى الملك أزاس كسياف يضرب عنق كل من لا يسدد دينه لهذا الأزاس. وهو نفسه عمل جلادًا حتى لا تطول رقبته سدادًا لدينه للعشرية التي لا تترك أحدًا دون تسديد دينه. وما هو هذا الدين الذي كان على رقاب العباد؟ الحماية لكل من يتبع أزاس في مقابل الحماية من العصابات الأخرى وتوفير الغذاء وجهاز تكرير البول كبديل للمياه النقية. والعشرية نموذج يتكرر في كل المدن والمجتمعات التي يسودها الخراب والدمار. وأزاس صورة تتنسخ نفسها في المجتمعات التي خربتها الحروب والدماء في غياب السلطة.


المحور الثاني: بصيص الأمل


المحور الثاني هو بقعة الضوء المتمثلة في أبناء مدينة الرب المؤمنين بعقيدة راسخة أن لكل شيء نهاية كما له بداية. وأن نقطة الصفر ليست نهاية بل هي بداية لتاريخ جديد. لم ينقطع الأمل من أهل المدينة الأصليين، أبناء الشمس والبحر وعشق الكورنيش وفرحة النوات واستقباله بصدورهم العارية للأمطار الرعدية المحببة. عشق السكندريين لشوارعهم وحواريهم التاريخية، بأسمائها المحفورة على جدران ذاكرتهم كما هي على جدران شوارعها التاريخية العتيقة. ورفضهم لطمس هوية أسطورتهم الإغريقية، جميلة الجميلات، الإسكندرية. عشق وسحر هؤلاء المؤمنين بعودة الشمس لم يغادروا مدينة الظلام ولا استسلموا لخفافيشها وعقاربها المسمومة حتى في أحلك أوقات الفساد وتفشي القبح والجهل لاسترجاع زرقة بحرهم المحبوس في المحلول الملحي  (في رمزية حبس الفتاة ذات العيون الزرقاء)من قبل حاكم الظلام أزاس وعقرب الموت (الذي اتخذ كرمز لهذه الجماعة الحاكمة ). حتى تسترد المدينة ضياءها وتشرق شمسها الغائبة التي حجبت بفعل تجار الموت.


الشخصيات:  مابين الواقعية والرمزية:


الشخصيات :تتماهى ما بين الواقعية والرمزية، أظهرتها حرفية المبدع توظيفًا جيدًا. 

-أزاس: رغم سطوته داخل سطور الحكاية، إلا أن المؤلف أكد أنه( فكرة) ستكون في كل زمان ومكان غاب عنه الشمس. 

-الشمس :البطل الغائب الذي تتمثل فيه الحياة، الدفء، النور الذي يمحي الظلمة فتختفي خفافيش الظلام. وتمثلت (كمعادل موضوعي) للحرية المسلوبة بفعل العشرية، سلطة الغوغاء والعشوائية المطلقة المدججة بالسلاح والترهيب والترغيب. العشرية التي تفرض ديوننا على البسطاء مقابل تركهم أحياء، تقرضهم الغذاء القليل والماء الملوث مقابل الولاء ودفع الإتاوة. 

-بيت السيدة : سوق للنخاسة والأجساد التي تباع وتشترى. النساء فيه بضاعة رائجة، كلما اعتنيت بهن، كلما ارتفع سعرهن وعائدهن الوفير من المال . فلكل  واحدة منهن سعر وضريبة، وعندما تكون أزمنة الانحلال والتدني الأخلاقي، يكون العهر مهنة إنسانية ،ومهمة تفتخر فيها ممارسة البغاء بوضعها في لوحة الشرف. كلما أجادت وأخلصت في مهنتها، تقول ربتهم السيدة: “نحن لا نعرف طريقًا للحداد، نحن نصنع فعلاً ما هو للحياة أقرب”، لتتحول ممارسة الرذيلة إلى حاجة إنسانية ملحة ، واحتياج للدفء مقابل مبيت ووجبة ساخنة.


الزمن والتشظي


الزمن تناوب في قفزات بين ما كان قبل الكارثة وما بعدها. وكيف بعد أن فقدت  المدينة المظلمة الاتصالات بالعالم الخارجي وخيم الظلم على المدينة، كان البعض يستخدم الساعة الرملية لمعرفة الوقت. لعب الكاتب على تقنيات  حركة الزمن، وفكرة استعادة الذاكرة للإبقاء على المعلومات والذكريات. كيف كانت شكل الحياة والأماكن وعادات أهل المدينة قبل حدوث الكارثة النووية التي طالت العالم نتيجة أخطاء لحكام وسياسات ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، وكيف محيت بلدان وزالت حضارات. كما خدمت فكرة التشظي الزمني تمسك أهل المدينة بهويتهم وتاريخ المدينة العريق. الأماكن كان لها نصيب الأسد في السرد، رسخت المعالم التاريخية للمدينة العتيقة بكل خصائصها المتفردة، من كورنيش البحر للأحياء القديمة ومحطات القطار التي تربط المدينة من مشرقها لمغربها. كما جاء استخدام محطة مصر كساحة يتجمع فيها كل أبناء الإسكندرية كمنطقة حيوية بمحلاتها وشوارعها العتيقة وشارع الترام والأزقة ومخابزها القديمة.


الأساليب اللغوية والمفردات البلاغية


نجح الكاتب في الاستحواذ على كل جوارح القارئ ومخاطبتها بكل المشهدية الحسية والسمعية والبصرية. استخدم الأسلوب الوصفي، والتفاصيل الدقيقة للاماكن والشخوص،  كما أشعل المخيلة البصرية لدي القاريء في وصف الاجواء نجده استعان بالألوان المبهجة الذهبي الأبيض السماوي في وصف الشمس وزرقة العين والنوات الرعدية، وهطول الأمطار الشتوية والأشعة الذهبية ما قبل الكارثة . بينما استخدم الألوان  السوداء القاتمة  والكئيبة والسماء الكاحلة والأمطار الحمضية والزيت المغلي والظلام الحالك والسحب الرمادية الكئيبة لرسم ملامح المدينة بعد حلول الكارثة هذا التضاد ابرز الفرق ورسم الأجواء بدقة . أيضًا اجاد في تحفيز حاسة الشم عبر الروائح المنعشة للبحر  ما قبل الشتاء النووي برائحة البحر المحملة برذاذ الماء واليود الذي يملأ الصدور، رائحة المخابز فطائر البوريك  الطازجة المخبوزات الشهية والطعام الشهي. كما استخدم مفردات  توحي  برائحة دمار ما بعد الكارثة، رائحة القتلى والدم، رائحة الجثث المتعفنة، رائحة الدخان. حتى استحضار حاسة اللمس استخدمها في  مشهدية تأكل  جلود البشر نتيجة سقوط الأمطار الحمضية والزيت المغلي والموت في احتفالية التهام العقارب للبشر الذين لم يسددوا ديونهم للعشرية ،  في تضاد أيضا بتوصيف لمسات الدفء والجمال في لحظات السعادة للمتعة ، وصف عبثية الحياة في  مشهد كرنفال الموت او كرنفال أزاس ببراعة الساحات وتجمع الناس ،الصرخات المحمومة في حفلات العيد السنوي للموتى، كرنفال أزاس، لوغو كروت دعوى كبار الزوار العقرب  كرمز للكرنفال ووسام حيث من يتحكم في المصائر والحياة فكرة مجنونة  تتمثل في  رمزية (أزاس ) حيث فرد يفرض قناعته على مصائر البشر”يقول، إذا كان العقرب قد استطاع العيش والنجاة من حروب البشر، فهو الأحق بالحياة ليحتفل سنويًا بالمختارين للموت سدادًا لديونهم. ” وامعانا في العبثية يستمتع المشاهدون بصراخ الموتى بلدغ العقارب ببهجة وفرح،  في اجواء احتفاليه نظرًا لسخاء الطعام والشراب  المقدم للحاضرين والماء النقي النظيف، ويشكروا ملكهم على سخائه مجددين له الولاء والامتثال لعشريته.


الخاتمة: الأمل في الحياة


في النهاية، رغم سوداوية الأحداث والإحباطات والألم وضياع الأحلام واليأس من القادم، إلا أن المؤمنين باستمرارية الحياة وضرورة التمسك بالمنهج الصحيح والطبيعي ان اصل الاشياء هو الخير والجمال  وان القبح والشر لابد من دحرهما وعدم السماح لهم بإفساد الوعي وتغييب الضمير والإنسانية و كما لكل شيء نهاية، فإن البدايات الجديدة تبدأ من نقطة النهاية. ولأن الموت نهاية محتومة لكل شيء، فإن سنة الحياة  أيضا أنها تولد من جديد محملة بالتفاؤل والامل بعد الموت  ، وما دامت الشمس تشرق  علي الكون كل صباح من جديد  لأجل مسمى.

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *