ذاكرة البيت… ومرآة الذات الضائعة

صورة واتساب بتاريخ 1447 06 13 في 15.10.01 fa03ee62

ذاكرة البيت... ومرآة الذات الضائعة قراءة نقدية في نص "أبحث في بيتنا القديم" للشاعرة نهلة عبدالعزيز السحلي

بقلم الكاتب/ قاسم عزام

WhatsApp Image 2024 08 31 at 15

 

في نصها “أبحث في بيتنا القديم”، تكتب الشاعرة نهلة عبدالعزيز السحلي قصيدة مشحونة بالحنين، ناعمة في تعبيرها، حزينة في تدفقها، صادقة في مشاعرها، تعكس تجربة وجدانية عميقة تستند إلى استرجاع الطفولة والبحث عن الذات في ركام الذاكرة.

البيت القديم هنا ليس مجرد مكان، بل هو وطن صغير، زمن مفقود، ومرآة مكسورة لهوية تبحث عن نفسها.

 

النص محمّل بالكثير من الصور الشعرية الحسية، التي تبدأ بـ”الشرف المعلقة على أهداب القمر”، حيث تستعير الشاعرة القمر كرمز للذكريات العالية البعيدة.

وتنتقل بسلاسة إلى الجدران التي “سمعت أصوات الحكايا”، لتتحول الجدران من كيان صامت إلى كائن شاهد، حافظ لأسرار الزمن الجميل.

لكنها لا تكتفي بالنوستالجيا السطحية، بل تُدخل القارئ إلى ألم الفقد والتغير:

“عن أول الخطوات السليمة قبل انكسار السند.”

 

القصيدة تسير على إيقاع داخلي حزين، لا يعتمد على وزن تقليدي، بل على إيقاع التكرار:

(أبحث عن… وأبحث عني…)

وهو تكرار وظيفي لا شكلي، يضيف للنص عمقًا شعوريًا يكرّس الضياع والبحث المستمر.

هذا البحث الذي يبدأ بالأشياء الصغيرة:

“كرة أخي، مقعد أبي، سجادة أمي”

ليتحوّل إلى بحث وجودي:

“وأبحث عني.”

هنا تكتمل مفارقة القصيدة الكبرى: أن الذات قد ضاعت في زحمة التفاصيل، في هجوم الموت، في تغير الزمن، وأن استرجاع البيت هو محاولة لاسترجاع النفس.

 

النص كذلك يشتغل على ثنائية الفرح/الحزن، الضوء/الظلمة، ويعبر عنها بتقابل جميل:

“عن دقات المطر قبل دقات الانزعاج”، “عن إضاءة المصابيح قبل العتمة والسواد.”

هذا التوازي البصري والزمني يخلق توترًا شعريًا محمّلًا بالأسى والرغبة في العودة إلى ما لا يُعاد.

 

وفي الختام، تأتي القفلة قوية، موجعة، ومفتوحة على التيه:

“تصفعني شرائط الموت السوداء ولا أجدني…”

تصفعنا معها تلك النهاية، وتؤكد أن هذا البحث كله لا يصل إلى نتيجة.

الذات غائبة، والبيت لم يعد هو، والزمن قد انقضى.

 

تتمتع الشاعرة نهلة عبدالعزيز السحلي بحس شعري صادق يلامس أعماق القارئ دون تصنع.

كتابتها نابعة من عين ترى التفاصيل الصغيرة بعين القلب قبل العين، ومن ذاكرة لا تستعرض الماضي بل تعيشه من جديد بقوة الشعر وصدق الإحساس.

قدرتها على التلاعب بالصور الحسية والبصرية، وتوظيفها لتقنيات التكرار والإيحاء والرمز، تجعل من نصها تجربة شعورية متكاملة، تضع القارئ وجهًا لوجه أمام ذاته، أمام بيته القديم، وأمام ما فقده.

هي شاعرة تعرف كيف تنحت من الألم قصيدة، ومن الحنين لوحة، ومن الذكريات مرآة…

مرآة الذات الإنسانية في لحظات ضعفها وجمالها معًا.

 

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *