رقائق (أنفيديا ) أم رقائق القلوب
بقلم الكاتبة / زينب السعود
الكتابة متنفس وعالم يلتقي فيه الكاتب بذاته الحقيقية التي لا يستطيع الكشف عنها إلا من خلال كلماته ، والكتابة عن الذات وعلاقتها بالآخرين تغري صاحب القلم لآنها ببساطة تست ثير مشاعره وأفكاره معا ، وتلعب على حبلين متوازيين فتجعلهما يتصلان ويتقاطعان عند نقطة معينة : تناغم القلب والعقل. وفي عصر الفورة التكنولوجية يواجه الكاتب عدوا لدودا يحاول زحزحته عن عرش التفرد والإبداع الذي يجد نفسه مالكه دون حاجة لتيجان ، بل كلمات يخطب ودها فتخضع له في المتون والنصوص والقصائد ، الذكاء الاصطناعي تحول من مجرد فكرة خيالية كانت تراود العقول منذ سنوات إلى واقع وحقيقة تتداخل مع حياتنا وتفاصيلها بشكل كبير ، يحاول الكاتب أن ينجو بقلمه من عبثية استخدام برامج العدو الجديد فيضع لنفسه معايير ثابتة وقوية ليبقى قلمه أصيلا ونصه رقراقا حالما بعيدا عن النص المنتج آليا . فالنصوص صارت قابلة لأن تصبح سلعة نكتريها من الآلة دون جهد سوى كبسة الزر . وكلما كان الكاتب شفافا يلامس اللغة بقلبه وروحه قبل قلمه كلما كان النص مصبوغا بصبغة إبداع الذات الكاتبة .
بعد عصر الذكاء الاصطناعي صار الأمر كأنه مفرخة للكتابة ، فما السبيل للمحافظة على إنسانية النصوص الأدبية في عصر يدفعنا كل شيء فيه نحو االآلة ؟ ومن غريب ما يواجهه الكُتاب من الانتقاد المتواصل من البعض لتمسكهم بالكتابة عن الإنسان ومشاعره وعلاقاته مع الآخرين بدعوى : أنتم أين والعالم أين ؟ ما الذي ينبغي على المبدع أن يفعله لإثبات مواكبته للتكنولوجيا ؟ هل المطلوب نصب المقاصل للنصوص الأدبية المترعة باللغة العذبة ؟ أم التوقف عن الكتابة التي تلامس روح الإنسان ؟ قبل أسابيع نشرت نصا أدبيا فكاهيا ساخرا من ظاهرة اجتماعية فكتب أحد القراء منتقدا هذه السخافات التي نصر على كتابتها وأن الأولى أن نكتب عن رقائق (أنفيديا ) مثلا مواكبة للتطور الرقمي الذي يشهده العالم ، ابتسمت حينها لأنني عندما أمارس كتابة ذاتي ورؤيتي لأي موضوع إنساني أو اجتماعي فإنني أكون في لحظة هروب من صداع التكنولوجيا ومتابعة آخر التطورات التي تشهدها برامج الذكاء الاصطناعي ، ومن صخب متابعة أخبار الشركات العالمية المتنافسة وسعيها للسيطرة على مفاصل الحياة البشرية من خلال برمجيات ورقائق وخوارزميات .
الكتابة الأدبية هي آخر معاقل إنسانيتنا وبشريتنا فكيف يمكننا التخلي عنها ؟ وهل إنتاج نصوص أدبية تغازل اللغة وتستمطر غيمات الخيال والصورة الجميلة يعني التأخر عن ركب التكنولوجيا !
بربكم اتركوا لنا هذه فقط ، الفسحة الإنسية التي نتنفس من خلالها ، ونختبر استمراريتنا في الحياة بمفهومها الحقيقي لا بمفهوم الآلة والذكاء الاصطناعي .فكما للتكنولوجيا رقائق ، لقلوبنا وأرواحنا رقائق أيضا ، فلا تجعلوا الاصطناعي ينافس الأصل ، فما ينتج عن القلوب لا تستطيع الآلة الإحاطة به ، ولكن القلوب والعقول تتسع لكل مصنّع لأنها الأصل وهو الاستثناء .
