رواية “حبّة بازلاء تنبت في كفّي” للكاتبة دعاء ابراهيم تحت مجهر التّحليل النّفسيّ

WhatsApp Image 2026 01 08 at 7.36.35 PM

رواية "حبّة بازلاء تنبت في كفّي" للكاتبة دعاء ابراهيم تحت مجهر التّحليل النّفسيّ

بقلم أ.د / درية فرحات- الجامعة اللّبنانيّة

WhatsApp Image 2026 01 08 at 7.53.20 PM
 
 
رواية “حبّة بازلاء تنبت في كفّي” للكاتبة الطّبيبة دعاء إبراهيم الصّادرة عن دار العين للنّشر في العام 2023، تقودنا إلى أن نحلّق في رحابها في عدّة مجالات، في رحاب الواقع الاجتماعيّ والنّفسيّ، وفي رحاب الأدب الشّعبي، وفي رحاب العودة إلى الطّفولة، و في رحاب الإسقاطات أو التّناص الأسطوري، وربما تجتمع هذه الرّحاب جميعها معًا، فيرتبط الإبداع الأدبي بالنّقد النّفسيّ.
والنّقد النّفسيّ للأدب هو ذلك المنهج الذي يخضع النص الأدبيّ لنتائج البحوث النّفسيّة، ويحاول الإفادة من النّظريّات النّفسيّة في تفسير الظّواهر الأدبيّة، والكشف عن عللها ومنابعها الخفيّة العميقة أو السّطحيّة المعاصرة، وما لها من أعماق وأبعاد وآثار ممتدة سواء في حياة المبدع أو أبطاله.
ولقد بدأ النّقد النّفسيّ بشكل علميّ منظم مع بداية علم النّفس في نهاية القرن التاسع عشر مع مؤلّفات سيجموند فرويد في التّحليل النّفسيّ،  وبدأت  دراسة ظواهر الإبداع في الأدب والفنّ كتجليّات للظّواهر النّفسيّة، ويرى فرويد ضرورة كشف غوامض العمل الأدبيّ وأسراره، فالإنسان يبني واقعه في علاقة أساسية مع رغباته المكبوتة ومخاوفه، ويعبّر عنها في صورة سلوك أو لغة أو خيال، ويرى أنّ “اللاشعور” هو مستودع للرّغبات والدّوافع المكبوتة التي تتفاعل في الأعماق بشكل متواصل، لكن لا تطفو إلى مستوى الشّعور إلا إذا توفّرت لها الظّروف المحفّزة لظهورها، فالأدب والفنّ عنده ما هما إلا تعبير عن اللّاوعي الفرديّ.
وبالعودة إلى العمل الأدبي ننطلق مع العنوان حبّة بازلاء تنبت في كفّي” يظنّ المتلقي أنّها ترتبط بأدب الطّفل، إذ يتبادر إلى الذّهن قصّة “الأميرة وحبّة البازلاء”، أو لعلّه يعود إلى طفولته عبر هذا العنوان، وفي طيات الرّواية نعود إلى العديد من قصص الأطفال التي تركت أثرًا في النّفوس، منها الجميلة والوحش أو سندريلا أو عازف المزمار والفئران، وغيرها من حكايات الطفولة، ولم تكن هذه الحكايات، عرضيًا في الرّواية، بل جاء توظيفها في العمل الأدبيّ متناغمًا مع ما تريد الكاتبة، فكانت معبّرة عن النّكوص عند البطل، حيث يلجأ الفرد فيها إلى الرّجوع أو التّقهقر إلى مرحلة سابقة من مراحل العمر، ويحاول من خلال ذلك ممارسة السّلوك في تلك المرحلة، أو يحاول من خلالها تفسير ما وقع معه من أحداث.
وهذا ما أكّده علم النفس التّحليلي حيث رأى أنّ مرحلة الطفولة لها أهمية كبيرة في نشأة الأمراض النفسية. ففي هذه المرحلة يكون الأنا ضعيفًا، سريع التّأثر بالأحداث التي تترك فيه أثرًا عميقًا، ومن هنا فإنّ وفاة أخت البطل التّوأم كان له هذا التّأثير الكبير في نفسيته، ولم تكن وفاتها بالأمر السّهل، فقد تسلّل فأر وأخذ يأكل فيها وهي نائمة، وتظلّ حكاية الفأر تلاحقه ويربطها بحكاية الزّمار، ولم تستطع أمّه حماية أخته حيث كانت نائمة من شدّة التّعب، وهو أيضًا كان بجانبها، من هنا برزت العقدة النّفسيّة التى شكّلت البطل، وكوّنت شخصيّته، فظلّ يشعر بالذّنب على هذه الوفاة، وإحساسه بأنّ أخته قد فَدَتْه، فرحلت الأنثى وبقي الذّكر، وبذلك نطلّ على هذه الثّنائيّة التي تشغل بال المجتمع، وضرورة وجود من يخلف ويحمل اسم العائلة.
وهذه العودة إلى الطّفولة تتناغم مع الإهداء الذي بدأت به الكاتبة “إلى أمّي … منبت الحكايات حيث كان”، والبطل أيضا يتذكّر دائما كيف كانت تحكي له أمّه الحكايات “هل تذكرين جلوسي على السّرير طفلًا في حجرك. تحكين لي حكاياتك الخيالية. وأسرح أنا في عالمها الخيالي على جناحين من لؤلؤ ويطير بي. كنت أصدّقك لا لشيء سوى لأنك كنتِ تسردين بحماس من عاش القصة. تطير الأمير هنا. يتحوّل الأمير لضفدع أو لوحش. تعقد الفأرة صفقة مع القطة. في الحكايات خيانات، حبّ، خير شر، في الحكايات لعنة عقاب ساحرات، في الحكايات حياة للسّاذجين أمثالنا . لكن هل في الحكايات دولاب خشبيّ يسحرنا حين نقف أمامه؟” 
بطل الرّواية الطّبيب المتخصّص بالأورام يعيش مع ذكرياته، ويهرب من مواجهة واقعه، فمن هنا تكون استعادة الذكريات مع الحكايات التي كانت ترويها له أمّه، ولذلك اهتمّ علماء النفس اهتمامًا بالغًا بعمر الطّفولة وردّات فعلهم فضلًا عن ورأى الكثيرّ في الطفولة سرًّا مخفيًّا تارة وظاهرًا أخرى، يكاد يضيء الفكر فيفصح عن المكنون ويظهر المخفي فتنكشف به فنون المستقبل ويختصر به علم الأجيال وتحل به عقد النفس، وأكثر.
وثمة عقد نفسيّة أخرى تترك أثرًا في تكوين الطّبيب البطل، فهو متعلّق بأمّه تعلّقًا شديدًا، وفي المقابل نلمس غضبه أو كرهه لوالده، وفي ذلك نعود إلى ما ذكره فرويد عن عقدة أوديب، وهي تجسيد لعقدة نفسيّة تطلق على الذّكر الذي يحبّ والدته ويتعلّق بها وقد يغير من أبيه ويكرهه، ولعل في ما قام به الأب وعلاقته غير المشروعة مع خالة البطل، ما يسهم في تعميق هذه العقدة النفسيّة لدي البطل، فدفعه ذلك إلى العودة والتّقوقع على ذاته، واختبائه في الخزانة التي تحوّلت إلى ما يشبه رحم الأم، فالبطل بعد فقدانه الوالدة انعزل عن الدّنيا، وترك التّواصل مع زوجه عائلته، وبحث عن العودة إلى رحم الأم.
والحياة تمتلئ الحياة بالمعتركات والصّدمات، وهي تبدأ مع أول بزوغ فجر للحياة فأبدع فرويد مصطلح صدمة الولادة، وهذا إنْ دلّ على شيء فإنّما يدل على تأثّر المولود بأصل مجيئه إلى هذا العالم بعد أن عاش في رحم الأم اللّطيف. والأمر عينه يجري في بقية أيام حياة الإنسان حيث تكثر تفاعلاته مع عالمه الكبير فتؤثر العوالم المختلفة أثرها في صناعة شخصية هذا الإنسان، وبطل الرّواية يواجه هذه العوالم المختلفة، فهو يعيش مع عائلة تواجه الكثير من الخلل، ومنها طبيعة الجدّة التي تتألّم من مرض الروماتويد، والأب الذي يعيش حياة مزدوجة بين واقعه الفقير وادّعائه بالغنى، وبين رفضه لواقع كونه موظفًا في وزارة الصّحة ويوهم الآخرين بأنه طبيب. وما تعانيه خالته من قهر بسبب حرمانها من الجمال إضافة إلى عقدتها من فقد أنفها بعد عملية غير ناجحة في عيادة طبيب، ولهذا كانت تغار من جمال أختها والدة البطل، وقد يكون هذا الدّافع لديها لتقيم علاقة محرمة مع زوج أختها، ما يدفع الأم إلى أن تعاني من الإحباط والإحساس بضعفها أمام زوجها.
ويربط الطّبيب البطل كرهه لخالته بكثير من الحكايات الشّعبيّة أو التّناصات الأسطورية، فيرى خالته وحشًا، وطرح الازدواجيّة بين الجمال والقبح، فتكون أسطورة ميدوسا معينًا له، وميدوسا هي  تمثّل صورة المرأة الجميلة التي حلّت عليها لعنه أثينا، فتحوّلت خصلات شعرها الجميل إلى أفاع قبيحة، ومن ينظر إليها يتحوّل إلى تمثال حجريّ، ويُقال في رواية أخرى أنّ ميدوسا تعرّضت للاغتصاب من قبل بوسيدون إله البحر، وحدث ذلك في معبد أثينا التي انتقمت من ميدوسا على ذنب لم تقترفه، فحمّلتها أخطاء الإله بوسيدون وحوّلتها إلى امرأة قبيحة. هذه هي رؤية البطل إلى أسطورة ميدوسا التي عكسها على خالته ووالده يقول “ولكي تصبح الأسطورة واقعًا لم يتحوّل أبي في لحظة وضحاها، بل تحوّل على مراحل غير مرئيّة. أبي لم يكتفِ بنظرة واحدة لميدوسا”. 
وتلاحقه خالته دائمًا، فمع فتحه عيادته الطّبية في القرية، وصراعه لتثبيت مكانته هناك بمواجهة الطّبيب الآخر، يظلّ يشعر بحاجته إلى الرّحيل، “في الوقت الذي زاد العدد داخل العيادة قررت الرّحيل عن القرية. كنتُ أعلم أنّ المشكلة ليست في القرية وحدها، تمنيت الرّحيل عم العالم. لكنّ الرّحيل عن القرية أسهل. العالم يشبه خالتي. القرية تشبه خالتي. وأنا سئمت”. نعم عاش البطل تحت تأثير طفولته، إذ إنّ الشّخصية الطّفوليّة أوّل شخصيّة يكتسبها الفرد في هذه الحياة، فتكون عاملًا أساسيًا في التوجّهات كما التّصرّفات متضمّنة لأثر الصّدمات الحياتيّة حيث إنّ الأخيرة دخيلة بقوّة في صناعة الشّخصية الطفوليّة.
هذه الطّفولة هي التي استدعت هذا الوجود لقصص الأطفال والحكايات الشّعبيّة، وهي التي جعلت البطل يتقوقع في الخزانة يبغي قطع الصّلة مع الحياة والعودة إلى الرّحم، ومن هنا فقد بدأت الرّواية وانتهت  بالحكاية التي أخبرته إياها أمّه، حكاية الطفل الذي أراد ان يخدع زملاءه فاختبأ منهم داخل دولاب ملابسه، فتشوا عنه في أماكنه المعتادة فلم يجدوه، ولأنهم كانوا يسكنون قرية فضولية صغيرة سرعان ما أصبح التّفتيش محمومًا متواصلًا. وحين طالت المدة نسوا عمن كانوا يبحثون؟ وعلى الرّغم من مجهوداتهم التي لم تتوقّف لحظة واحدة. لم تكن النّهاية سعيدة. لم يتوقّفوا عن البحث. ولم يجدوا الصّبيّ. ربما لأن أحدًا لم يفكّر في الدّولاب الخشبيّ القديم، أو لأنّ الدّولاب ابتلعه”، وتختم بالحكاية صفر بعد توالي الحكايات التّسع عشرة، فتكون البداية في الختام، ويظلّ بحاجة لأن تحكي له أمّه الحكايات “لكنّ الصّغير لا يعرف وسيلة لفكّ التّعويذة، ولا حتى الأمّ تكترث لمرور الزّمن. وبينهما تتسرّب كلّ هذه السّنوات الضّائعة ويتشكّل العمر. فمن هنا تبأ الحكايات. المهم ألّا يخبر أحدًا أنّها ماما”.
وإذا كان الدّخول إلى الرّواية من مجهر النّقد النفسيّ، فإنّ من معطيات العمل السّرديّ وجود الرّاوي الذي يسرد لنا الأحداث، وقد اعتمدت الكاتبة تعدّد الأصوات، فجاء السّرد عبر صوتين أولهما صوت الطّبيب الذي يسرد ذكرياته، وصوت المختبئ في الخزانة، لكنهما وإن كانا صوتين، فهما ينتميان إلى شخص واحد في زمانين نفسيين مختلفين، صوت الحاضر والماضي، صوت العالم الواقعي والعالم الآخر، لذلك بحث عن عالم وسطي بين هذين العالمين. وما يلفت في الرّواية أيضًا هو تغييب أسماء الشّخصيّات فالكاتبة تتجنّب تحديد الأسماء، وتكتفي بذكر تشخيص صفة شخصيّاتها، ولعل في ذلك تعميم لهذه التّجربة التي تنقلها لنا. 
هي رواية العالم النّفسيّ بامتياز، قدّمت الكاتبة من خلالها الواقع الاجتماعيّ والاقتصاديّ وعالم الشّعور واللاشعور.

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *