شتاء بلا مطر

WhatsApp Image 2026 01 22 at 7.22.03 PM

شتاء بلا مطر

بقلم الكاتبة/ منى عاشور 

WhatsApp Image 2026 01 22 at 7.19.55 PM


كانت الإسكندرية في يناير دائمًا ما تشبه لوحة زيتية غايًة في الجمال، لم تجف ألوانها بعد؛ رمادية، صاخبة، ومبللة . 

لكن هذا العام، كان كل شيء مختلفًا،  كان البحر هادئًا على غير عادته، السماء زرقاء صافية بعناد، وكأن الشتاء قد أضاع مفاتيح المدينة. 

كورنيش جاف … 

وقف ” عم أمين ” بائع الفريسكا أمام سور الكورنيش في ” محطة الرمل “، مرتديًا معطفه الصوف الذي اعتاد أن يحميه من ” نوة الكرم “، لكنه اليوم يشعر بحرارة الشمس تلسع وجهه . 

نظر ” عم أمين” إلى الأفق قائلًا لصديقه ” منصور” الصياد الذي كان يجلس بجانبه يرمم شباكه، ” هل رأيت يا منصور ؟” نحن في منتصف طوبة،  والأرض لم تبتل بعد . الإسكندرية لم تعد كما عهدناها .

رد منصور وهو يمسح العرق عن جبينه : ” البحر غاضب يا أمين،  المطر هو روح هذه المدينة، وبدونه تبدو الشوارع باهتة في الشتاء،  وكأنها ترتدي قناعًا لا يناسبها “.

ذاكرة الشوارع …. 

في أزقة ” العطارين ” كانت ” نور ” الطالبة بكلية الفنون الجميلة،  تسير ومعها دفتر رسمها. كانت قد خططت لرسم انعكاسات أضواء الشوارع في برك مياه المطر، وتصوير المارة وهم يختبئون تحت مظلاتهم الملونة . 

لكن المدينة كانت جافة تمامًا،  الغبار يغطي واجهات المباني الإيطالية القديمة،  وصوت الزحام يبدو اكثر حِدة و جفافًا – جلست ” نور” على مقهى ” بسترو ” وبدأت ترسم شيئًا مختلفًا : رسمت سحابة وحيدة تبكي،  ومن تحتها أناس يرفعون أيديهم للسماء،  ليس طلبًا للدفء،  بل طلبًا لتلك القطرات التي تغسل هموم المدينة . 


ليلة الأنتظار …. 

في المساء،  اجتمع الناس في ” بحري ” كانت رائحة اليود قوية،  لكنها تفتقد لتلك الرائحة السحرية التي تظهر عندما يعانق المطر تراب الشوارع . 

كانت المقاهي ممتلئة،  فجأة،  تغيرت نبرة الريح،  بدأت تصفر بين فجوات ” قلعة قايتباي ” وتحول لون البحر من الأزرق الهاديء إلى الرصاصي الداكن … استبشر ” عم أمين ” وهو يلملم بضاعته، وابتسمت ” نور ” وهي تفتح نافذة مرسمها . 


كان الشتاء يختبر مدى اشتياق الإسكندرية لروحها . ومع أول قطرة سقطت على رصيف الكورنيش،  تنفست المدينة الصعداء . 

عادت الرائحة المألوفة … واختلطت ضحكات الناس بصوت الرعد البعيد .

أدرك الجميع ان جمال الإسكندرية في ذلك الصخب الشتوي،  الذي يجعل كل فنجان قهوة قصة،  وكل تمشية على البحر ذاكرةً لا تُنسى .

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *