شغف
بقلم الدكتورة / نجلاء نصير
في قلب إحدى البنايات الهادئة بمدينة الإسكندرية، حيث تمتزج رائحة اليود بوقار البيوت المتوسطة، كانت “ندى” تعيش حياتها كلوحة مرسومة بدقة. ابنة وحيدة لأب يعمل مهندساً كدّ طويلاً ليحفظ لبيته كرامته، وأمٍّ لم تكن ترى في العالم أسمى من “التربية الحسنة”. كانت ندى هي الثمرة التي نضجت في ظلال الفضيلة؛ تفوق دراسي، خجل محبب، وهدوء يطمئن قلب والديها بأن “بذرتهما” في أمان.
لكن المراهقة في زمن الشاشات لا تعترف بالجدران. بدأ الأمر حين شعرت ندى بـ “غربة فكرية”؛ فجوة صغيرة بين نصائح والدتها التقليدية وبين تساؤلاتها الوجودية الكبيرة. في تلك الفجوة، تسلل تطبيق “شغف”
لم يكن “شغف” يشبه تطبيقات التواصل الصاخبة، بل كان واحة من الأناقة والعمق. شعاره “ريشة بيضاء”، وواجهته تخلو من الابتذال. كان يسوّق لنفسه كمنصة لـ “النخبة الفكرية الشابة”. هناك، وجدت ندى عالمها المثالي؛ مقولات لفلاسفة، نقاشات حول السينما المستقلة، وأصدقاء افتراضيين يغلفون كلماتهم بالرقي. كانت تلك هي “الرحمة” الظاهرة، التي جذبت فتاة السابعة عشر التواقة للتميز.
تحت غطاء “تطوير الذات”، بدأت “شيرين” —وهي إحدى الشخصيات المؤثرة في التطبيق— تنسج خيوطها حول ندى. لم تكن شيرين تحرضها مباشرة وتكشف لها أوراق اللعبة ، بل كانت تحرضها على “التحرر من جمودالمجتمع وعاداته التي تطحن المرأة وتجحف حقها “
كانت تقول لها في رسائل خاصة: «أنتِ لستِ مجرد ابنة مطيعة، أنتِ كيان مستقل، وأهلكِ —على الرغم من حبهم— يسجنون عبقريتك في عباية العادات».
حرصت ندى على متابعة “شغف “وندواته المشفرة الخاصة. تحولت النقاشات من الأدب إلى تحديات “كسر التابو”. بدأت ندى تكذب لأول مرة؛ تذهب لمقابلة هؤلاء “المستنيرين” في شقق مغلقة تفوح منها روائح غريبة، مدعية أنها في مجموعات تقوية دراسية. كانت تشعر بالذنب، لكن التطبيق كان يغسل دماغها بفكرة أن “الألم والتمرد هما ضريبة الوعي”.
سقط القناع في ليلة “المختار”، كما أطلقوا عليها. طُلب من ندى، لإثبات ولائها وانضمامها لفريق “النخبة”، أن تتناول أقراصاً ادعوا أنها تزيد من صفاء الذهن، وأن تشارك في جلسة تصوير “تحررية” تعبر عن رفضها للقيود الأسرية.
في تلك الليلة، رأت ندى وجوهاً أخرى لهؤلاء الأصدقاء؛ وجوه يملؤها الجشع والضياع. اكتشفت أن “شغف” ليس إلا واجهة لشبكة تصطاد أبناء الأسر المستقرة لتفكيكهم وابتزازهم. وحين حاولت الانسحاب والعودة لبيتها، ظهر “العذاب” الكامن.
وصلتها رسالة على هاتفها من “الظل”، مدير الدائرة الخاصة:
“صوركِ وتسجيلاتكِ وأنتِ في حالتكِ تلك بين أيدينا. هل تتخيلين صدمة والدكِ ‘المهندس المحترم’ حين يرى ابنته المثالية وهي تغيب عن وعيها في شقة مشبوهة؟ عودي إلى رشدك ، أو ابدئي في تحضير نفسك لفضيحة.”
عادت ندى إلى بيتها، لكنها لم تكن ندى القديمة. كانت تمشي كطيف مكسور. نظرت إلى وجه والدها وهو يبتسم لها فخوراً بنجاحها في الامتحانات الشهرية، فشعرت بخنجر يمزق صدرها.
سهرت ليلتها تصارع الشياطين. كان الابتزاز الرقمي يطبق على أنفاسها. لكن “التربية الحسنة” التي ظنت أنها تلاشت، ظهرت فجأة كقارب نجاة. أدركت أن هؤلاء الأوغاد يراهنون على “خوفها”، وعلى “فجوة الثقة” بينها وبين أهلها.
في الفجر، دخلت غرفة والدها. كانت ترتجف، لكن عينيها كانتا تشعان بقرار حاسم. وضعت هاتفها أمام والدها، وقصت عليه كل شيء؛ من أول ضغطة “تحميل” للتطبيق، وصولاً إلى تهديدات “الظل”.
لم يكن الموقف سهلاً. كان انكسار الأب صامتاً وموجعاً، وبكاء الأم مراً كالعلقم ؛ احتضن الأب ابنته قائلاً: “لقد أخطأتِ يا ندى حين ظننتِ أن الغرباء أحرص عليكِ منا، لكنكِ أصبتِ حين لجأتِ لبيتكِ. الستر ليس في الكذب، بل في المواجهة”.
توجه الأب مع ابنته في الصباح التالي إلى “مباحث الإنترنت”. وبدلاً من أن تخضع ندى للابتزاز، أصبحت هي “الشاهد الرئيسي” في قضية أطاحت بشبكة “شغف” لتجارة الرقيق الأبيض ومن يقفون خلفها.
