صهاريج الإسكندرية
بقلم الأستاذة/ يسرية الغندور- كبير باحثين بدرجة مدير عام- وزارة السياحة والآثار- مصر
نظرًا لأن مدينة الإسكندرية قد بُنيت بعيدًا عن نهر النيل، فقد كان من الضروري إيجاد نظام معقد لإمدادها بالمياه منذ العصور الرومانية. ومن أبرز هذه الأنظمة ترعة شيديا ” سخيديا”، التي حمل السوق الحالي اسمها في منطقة كامب شيزار، وكانت تمر من هناك لتجلب المياه من النيل عبر مسارات متعرجة وصعبة، ثم تُخزَّن في صهاريج تحت الأرض.
وقد خضعت ترعة شيديا – التي تصب في خليج الإسكندرية – للتطهير وإعادة الإنشاء أكثر من مرة عبر العصور، كان آخرها في زمن الحملة الفرنسية. وكانت الترعة تعمل لمدة شهر واحد فقط أثناء الفيضان. ونظرًا لأهميتها، أُنشئ لها مقياس خاص لمياه النيل الواردة إليها، شبيه بمقياس النيل في قصر المنسترلي، ولا تزال آثاره قائمة بجوار عمود السواري حتى اليوم. وكان هذا المقياس يُستخدم لتحديد قيمة الضرائب المفروضة على الفلاحين، إذ تُفتح القنوات لري الأراضي الزراعية بعد امتلاء الصهاريج.
وعندما تصل المياه إلى الإسكندرية، تتوزع في أربعة مجارٍ صغيرة، ثم تُحوَّل إلى أحواض عليها 72 ساقية تُدار بالثيران، لتوزَّع المياه على نحو 700 صهريج تحت المدينة. تمتلئ هذه الصهاريج خلال شهر الفيضان، ثم تُفتح الترعة لري الأراضي، بينما تعتمد المدينة على مياه الصهاريج للشرب طوال العام.
هذه الصهاريج ليست مجرد خزانات صغيرة، بل هي شبكة معقدة من المسارات المتداخلة، بعضها مغلق وبعضها مفتوح، حتى إن المؤرخ تقي الدين المقريزي وصفها بأن الفارس يمكن أن يركض فيها بحصانه شاهرًا سيفه. ومن أبرزها:
– صهريج دار إسماعيل داخل مستشفى دار اسماعيل للولادة بشارع شريف، ومشيد من عدة أعمدة.
– صهريج ابن النبيه في منطقة الشلالات.
– صهريج سيدي عبد الرازق الوفائي أسفل المسجد الذي يحمل اسمه.
– صهريج صفوان تحت عمارة توريل بشارع فؤاد، والذي استُخدم كملجأ أثناء غارات روميل على المدينة.
وقد ظهرت بعض هذه الصهاريج فجأة عند انهيار مبانٍ فوقها، مثل انهيار الصهريج بجوار مسجد النبي دانيال عام 2010، الذي أدى إلى إغلاق المسجد سنتين تقريبًا، وكذلك انهيار صهريج آخر بجوار القنصلية الإسبانية عام 2011، والذي أُشيع حينها أنه كان سجنًا سريًا تحت الأرض.
ومن أبرز الصهاريج الباقية والمسجلة كأثر:
– صهريج النبيه الأثري: يقع في باب شرقي (حدائق الشلالات)، وهو من أروع النماذج الهندسية الباقية، يتكون من ثلاثة طوابق تحت الأرض مدعومة بأعمدة ضخمة وتيجان رومانية وبيزنطية، وأعيد استخدامه في العصر الإسلامي.
– صهريج ابن بطوطة: بالقرب من كوم الناضورة، ويُعد من الصهاريج الضخمة التي خدمت قطاعًا واسعًا من المدينة.
– صهريج دار إسماعيل: في منطقة كرموز، وقد سجلته وزارة الآثار الإسلامية بعد إعداد تقرير فني ورسومات عنه، وهو مكوَّن من طابق واحد وأعمدة وعقود عديدة، وقد استُخدم كمخبأ أثناء الحرب العالمية الثانية.
– صهاريج كوم الدكة: حيث عُثر على بقايا صهاريج داخل موقع المسرح الروماني، وكذلك صهريج سيد درويش المعروف بـ”النابهنا”، وهو مسجل أثريًا ويقع في شارع سيد درويش أمام المقهى الشهير.
– كما اكتُشفت صهاريج أخرى في المنطقة نفسها عام 1993، مثل صهريج صفوان 1 وصفوان 2، أسفل عمارة توريل، وهي من الصهاريج الضخمة والمميزة، لكن أحدها استُغل لاحقًا كحمام عام باسم “حمام السرايا” لعدم تسجيله أثريًا رغم أهميته التاريخية.
تشير الخرائط إلى وجود نحو 723 صهريجًا تحت أرض الإسكندرية، بُنيت منذ العصر البطلمي مع تأسيس المدينة، وأُعيد استخدام بعضها في العصر الإسلامي. وهكذا تبقى للإسكندرية حكايات لا تنتهي؛ بعضها يندثر مع الزمن، وبعضها يُكتشف ليضيف فصلًا جديدًا في تاريخ هذه المدينة العريقة.
