عبثية الحلم في مجموعة كيس الأحلام للكاتب سمير بيّه
بقلم الأستاذة الدكتورة/ درية فرحات
“كيس الأحلام” مجموعة قصصيّة للكاتب سمير بيّة تتضمّن 21 قصّة، وحملت المجموعة عنوان قصّة منها، والفضول يدفعني دائما أن أقرأ القصة التي تكون عنوانًا للمجموعة، فقد تكون مفتاحا نفهم منها خبايا المجموعة وخبايا الكاتب.
وعند قراءة “كيس الأحلام” نرى أنّ الكاتب يبدأ فيها بقصّة من أرض الواقع لامرأة تعاني القهر والتّعب والشّقاء منذ زواجها، واستفحل الأمر خصوصًا بعد وفاة الزّوج، فتحمّلت عبء طفليها وهي التي لا تملك مهارات تخوّلها تبوأ عمل مريح، فورثت عن زوجها عمله في جمع الحوائج القديمة، إضافة إلى ما ورثته من هم وكدر.
وتبدو القصة واضحة هنا بانتمائها إلى الواقعية، حيث يعتمد الكاتب وصف مأساة للّالطيفة أو الخمّاس أو أيًّا كان اسمها، فهي تمثّل البيئة المقهورة والمظلومة، ويحرص الكاتب على نقل جزئيات الأمور بوصفها أو وصف لحظة اكتشاف وفاة زوجها.
ونظلّ نبحث عن هذا الحلم الذي ورد في عنوان القصّة، فيظهر لنا في منتصف القصّة، فيكبر الحلم كما كان يكبر معها الكيس البلاستيكي، وفي ذلك إشارة إلى تحسّن حالة المرأة، لهذا بدأت تكبر أحلامها فرأت ابنها يتقلّد المناصب العالية المهمة ورأته في عائلة مع أطفاله، ورأت ابنتها في موقعها الطّبيعيّ كزوجة في بيت تحت رعاية زوجها.
وهذا الأحلام لم تكن مستحيلة وإن كبرت مساحتها، لهذا فقد تحقّق منها القليل خصوصًا في زواج ابنتها، أمّا مايتعلّق بابنها فلم يصل إلى حجم أحلام اليقظة عند أمّه.
وهنا نرى أنّ البطلة هربت من واقعها المؤلم إلى أحلام اليقظة التي تقع بين النّوم والاستيقاظ كما يرى فرويد، وهذه الأحلام هي إعمال الذّهن في تحقيق الرّغبات، بما يحقّق إشباعًا على مستوى الخيال، ويلجأ عادة الأشخاص إلى حالهم يشردون فيه كي يحقّقوا إشباعًا لا يستطيعون تحقيقه في الواقع.
وقد تناول فرويد رائد المدرسة التحليلية في علم النفس أحلام اليقظة على أنّها تعبير الفرد عن أهدافه ورغباته المكبوتة، فهي الحالة التي يُدخِل فيها الفرد نفسه لإشباع رغباته وتحقيق أهدافه التي قُمِعَت وكُبِتَت في الحاضر أو في الماضي. أما العالم إريك كلينجر فقد قام بالكثير من الدراسات التي تناولت موضوع أحلام اليقظة، ووجد أنّها تدور غالبًا حول الأحداث اليومية العادية التي يمرّ بها الفرد.
وهكذا فإنّ الخمّاس انطلقت من رغباتها المقموعة، وحلمت أحلامًا اتّسعت معها باتّساع الكيس، لكنّ معظمها ظلّ في هذا الكيس، لتكون الخاتمة بمفارقة مؤلمة وصلت بنا إلى موت البطلة بحادث سير، يقول الراوي “دفعت كتلة العظام المكسوة جلدًا مجعدًّا عربة الأطفال التي كان يعلوها الكيس الضخم وهي تقطع الطّريق نحو الضّفة الأخرى هل شعرت في تلك اللحظة أنّها فعلًا تغادر الدّنيا نحو عالم آخر؟ لم تكن معالم الجهة الأخرى واضحة أمامها وقد اعتادت ذلك، لكنّ سيارة مجنونة كانت منطلقة بسرعة عمياء ضدمتها فتطايرت العجوز والعربة والكيس في الفضا ثمّ تكوّمت على حافة الطّريق قرب أحلامها المتناثرة”. وهذا يقودنا إلى أنّ الكاتب يرتفع بنا إلى الأعلى، ونعيش عالمًا جميلًا بهذا الحلم لكنّه ينتهي بالخيبة والألم، ولعل العبثية هنا في هذا الحلم أنها عندما وصلت إلى تحقيق النذر القليل منه رحلت عن الدنيا.
وإن كنا بدأنا بعرض الواقع، فإنّنا مع القصة نختم بعالم آخر فيه من المشاعر الدّاخليّة المعبّرة عن حالة فيها من العبثية والخيبة، وبقراءة القصص الأخرى نجد أنّ الحلم هو قاسم مشترك في معظمها، والغالب أيضًا فيها أنّ هذا الحلم ينتهي إلى الخيبة والفشل.
ففي القصّة الأولى المعنونة بـ “القمة تحت قدمه اليمنى”، يقدّم لنا عالمين عالم الواقع وعالم الحلم، وقد نشعر وكأنّ الحلم هو شخصيّة تشارك في أحداث القصّة تتماهى معها شخصية البطل، ويوجّه له الشّكر ، “شكرًا ايّها الحلم لولاك ما سعيت إلى القمة وما فكّرت في الغد الجميل، ابق هادئًا فلا علم لأحد برحلتك في مخيّلتي وإلّا قتلوك وقتلوني”، وقد يرى هذا الحلم أعلى من البناية، فالحلم هنا ملازم لمخيلة البطل، ويستمر هذا الهذيان الداخلي عنده ويتابع مخاطبة الحلم فيقول في مقطع آخر “لا تقلق أنت لم تغب عن مخيّلتي لحظة واحدة لكنّها فاتنة أليس كذلك لقد اعتاد هذا الهمس الخفيّ…”، وهذا ما أشار إليه فرويد عندما رأى أن الحلم هو ذهان، له كلّ ما للذّهان من هذيانات وأوهام، ويستمر هذا الهذيان عند طالب الوظيفة، إلى أن يصل إلى لحظة الإنكسار والفشل في تحقيق المراد “أين أنت أيّها الحلم لمَ لمْ أعد أشعر بحرارتك؟ لم أنت صامت؟ تكلّم”. لكن تكون النتيجة هي الخيبة والفشل.
وتتوالى الخيبات في المجموعة القصصيّة ونتيجة للصّراعات الاجتماعيّة والثقافيّة التي تواجه شخصيّات المجموعة ما يسهم في إغراقها بعبثيّة الحلم والوقوع في الخيبة.
أمّا في قصّة “ليلة تحت المطر”، فينتقل إلى عالم متخيل، فنعيش مع اللاوعي عند البطل، ويتخيل امرأة يواعدها في مقهى، ويبحث معها عن الدخان، ونعيش في هذا العالم المتخيل قصّة متكاملة لهذا اللقاء الذي ينتهي برحيلها وتركه وحيدًا ينتظر “لِـمَ رحلت و لم تنتظري؟ ألم تعديني بالرحيل معك إلى هناك؟ ألم يكن الحلم أجمل بعينيك”، وهنا ندخل في عالم الغرابة والإدهاش، واللجوء إلى عالم الأشباح والتّجسّدات وانفلات الخيال، وهو ما يقربنا من السريالية التي تغترف من الهذيانات لأنّها ترشد إلى أعماق الذّات. فمع السريالية أصبح الأدب تحليلًا للأحلام الفرديّة وكثرة الاضطراب في التّعبير والتّصوير وهذا يعبّر عن التّأزّم الذّاتي، خصوصًا في أثناء كشف الصّراع النّفسيّ الدّاخليّ والتّمزّق الذّهنيّ.
