عتبة العام الجديد

WhatsApp Image 2026 01 02 at 12.38.58 PM

عتبة العام الجديد

بقلم: د. سيما حقيقي

WhatsApp Image 2026 01 02 at 12.38.58 PM


تأتي الأيام الأخيرة من العام كعتبةٍ صامتة… ليست بابًا نغلقه بسرعة، بل مساحة قصيرة نتوقف فيها لنسمع أنفسنا دون ضجيج. كأن الزمن يخفّف سرعته قليلًا، ليمنحنا فرصة نادرة: أن نراجع ما عشناه كما هو، وربما لم يكن كما أردنا أن يكون.


في نهاية كل عام، لا تتراكم الأحداث فقط… تتراكم نسخٌ منّا. نسخةٌ كانت تُجامل أكثر مما تحتمل، ونسخةٌ خافت من قول الحقيقة، ونسخةٌ تعلّمت أن تمشي حتى وهي متعبة، ونسخةٌ اكتشفت فجأة أن بعض الطرق لا تستحق الشجاعة التي بذلتها فيها.


هذا العام مرّ علينا بمزيجٍ لا يشرحه عنوان واحد. في داخله لحظات أنجزنا فيها الكثير دون أن نتفرّغ للفرح، ولحظات خسرنا فيها شيئًا ظننّاه ثابتًا… ففهمنا معنى الثبات من جديد. لم يكن عامًا يُقاس بالأيام، بل بما تركه في نظرتنا للأشياء.


وما أجمل أن ندخل العام الجديد من زاوية لا تقول: “ماذا نريد؟” فقط… بل تسأل: “ماذا سنترك؟”

لأن البداية ليست دائمًا إضافة. أحيانًا تكون البداية أن نخفّف أنفسنا. أن نغلق ما بقي مفتوحًا في الداخل: حوارًا مؤجلًا، عتبًا بلا نهاية، وجعًا اعتدنا حمله كأنه جزء من الشخصية، وخوفًا لبس ثوب الحكمة حتى صدّقناه.


إغلاق العام ليس إعلانًا عن الانتصار، ولا شهادة على الكمال. الإغلاق الحقيقي هو أن نختار بوعي: ما الذي يستحق أن ينتقل معنا إلى السنة القادمة، وما الذي يجب أن يبقى هنا… احترامًا لسلامنا الداخلي.


نحمل معنا الدروس لا الجروح.

نحمل معنا النضج لا القسوة.

نحمل معنا الذاكرة التي تُضيء، لا الذاكرة التي تُطفئ.

نحمل معنا العلاقات التي تجعلنا أصدق، لا تلك التي تُحوّلنا إلى نسخةٍ أصغر من أنفسنا.


العام الجديد لا يحتاج منّا وعودًا كبيرة، ولا خططًا مثالية. يحتاج منا قلبًا متصالحًا مع ما حدث، وعقلًا يعرف أين يضع طاقته، وروحًا تؤمن أن العطاء ليس استنزافًا، وأن الطموح لا يعني أن نركض… بل أن نعرف اتجاهنا.


في السنة القادمة، نريد نجاحًا يشبهنا. ليس نجاحًا للتصفيق، بل نجاحًا يجعلنا ننام بهدوء. نريد إنجازًا يترك أثرًا لا يتباهى، لكنه يثبت نفسه. نريد علاقاتٍ لا تستنزف الكرامة، ولا تُربك المعنى. نريد أيامًا أقل ازدحامًا بما لا يهم، وأكثر امتلاءً بما يليق.


قد يأتي العام الجديد بهداياه، وقد يأتي بأسئلته. لكن الفرق هذه المرة… أننا لن نستقبله بالاندفاع وحده، بل بالوعي.

وعيٌ يقول: لن نمنح وقتنا لمن لا يرى قيمته، ولن نؤجل أنفسنا بحجة الانشغال، ولن نكرر الدرس نفسه ونحن نسميه قدرًا.


وعندما تُفتح صفحة يناير، لن تكون مجرد صفحة جديدة في التقويم، بل صفحة جديدة فينا.

صفحة نكتبها بيدٍ أخف، وبعقلٍ أوضح، وبذاتٍ تعلّمت كيف تبدأ بخفّة، وكيف تطمح دون أن تُربك سلامها الداخلي.


وعند هذه العتبة تحديدًا، نفهم أن العام الجديد لا ينتظر منا أن نكون أشخاصًا آخرين، بل أن نكون أنفسنا دون أقنعة أثقلتنا طويلًا. أن ندخل الأيام القادمة أخفّ من التبرير، وأصدق في الاختيار، وأكثر احترامًا لما نعرفه عن أنفسنا الآن. فالأعوام لا تتغيّر حين تتبدّل الأرقام، بل حين نغيّر علاقتنا بالزمن، وبأنفسنا، وبما نستحقه من حياة. وعندما يحدث ذلك، لا يعود القادم مجهولًا… بل امتدادًا طبيعيًا لوعيٍ نضج.


ومن هذا الفهم تحديدًا، يتضح المعنى الأعمق للبداية: أن العام الجديد ليس صفحة بيضاء، بل صفحة نكتبها ونحن نعرف أكثر. نعرف أين نضع جهدنا، ومتى نتوقف، وما الذي يستحق أن نستمر من أجله. نعرف أن الطموح لا يعني الاندفاع، وأن النجاح لا يحتاج ضجيجًا ليكون حقيقيًا، وأن العطاء يصبح أكثر قيمة حين يُمنح بوعي. في هذه النقطة تحديدًا، لا نطلب من الزمن أن يكون كريمًا معنا، بل نطلب من ذواتنا أن تكون دقيقة في اختياراتها. وحين نفعل، لا يصبح القادم وعدًا غامضًا، بل مسارًا واضحًا نمشيه بثقة، لأننا أخيرًا تعلمنا كيف نبدأ… دون أن نكرر ما يجب أن يُغلق.

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *