
عدالة السماء في « وشاءت الأقدار » لفاتن محمد علي
بقلم الأديبة الدكتورة/ علياء إبراهيم

تتقلب الحياة بين العطاء والحرمان، فتفتح لنا أبوابًا وتغلق أخرى، تمنحنا فرصًا في لحظات، وتنتزعها منا في لحظات أخرى. لكنها في النهاية تعيد ترتيب المشهد، ليجد كل إنسان نفسه في المكان الذي يستحقه بعد سلسلة من الاختبارات والخيارات.
بهذا الإحساس خرجتُ بعد قراءة القصة القصيرة “و شاءت الأقدار” للكاتبة والناقدة الأستاذة فاتن محمد علي، التي استطاعت أن تجسد عدالة السماء في حبكة درامية تحمل بين طياتها الكثير من التأملات حول العلاقات الإنسانية، والصراع النفسي، والتقلبات التي تصنعها اختياراتنا.
تدور القصة حول مثلث تقليدي من الشخصيات: الأم، الابن، وزوجته. ولكن على الرغم من بساطة هذه التركيبة، فإن الأحداث جاءت غير متوقعة ومليئة بالمفارقات التي تعكس تعقيد النفس البشرية.
تدور الأحداث حول أم واعية تنتمي إلى طبقة اجتماعية راقية، تختار لابنها زوجة بعد أن خرج محطمًا من تجربة حب فاشلة. تتجه أنظارها نحو فتاة قابلتها بالصدفة، أعجبتها لبساطتها وهدوئها وتميزها بالصراحة، إذ لم تلتفت الأم إلى كون الفتاة من أسرة بسيطة، وأنها خاضت تجربة زواج سابقة انتهت بالطلاق، بل رأت فيها زوجة مناسبة لابنها.
على الجانب الآخر، تجد هذه الفتاة في هذا الزواج طوق نجاة، إذ تراه فرصة لن تتكرر كي تبدأ من جديد مع شاب وسيم ينتمي إلى طبقة اجتماعية مرموقة، ولكن الابن لم يرضخ لاختيار أمه، التي تفشل في إقناعه بتلك الفتاة.
وحين تخبر الأم الفتاة برفض الابن لفكرة الزواج منها، لم ترفع راية الاستسلام، بل جمعت كل أسلحتها للإيقاع بالشاب. تنجح خطتها، إذ تختلق لنفسها صورة تتناسب مع سمات شخصية الشاب بعد دراستها لكل ما ينشره عبر حسابه، ويتم التواصل بينهما عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتتم الزيجة بعد اقتناع الابن بالفتاة، حتى إنه لم يلتفت مثل غيره إلى كونها مطلقة وسبق لها تجربة الزواج.
لكن سرعان ما تتغير الأمور بعد الزواج، إذ يكتشف الزوج الفارق الحقيقي بين الواقع والصورة. تبدأ العلاقة في الفتور، وتتفاقم الخلافات التي تفجرها الزوجة عندما تعرف أن زوجها بحاجة إلى علاج للإنجاب. وبدلاً من الصبر والدعم، تختار الاستمرار في هذا المستوى الاجتماعي والمادي بوسيلة لئيمة، فتمضي في افتعال المرض حتى يجد الزوج نفسه مضطرًا إلى تحمل أعباء المنزل والعيش في ظل ضغط نفسي يتزايد يومًا بعد يوم.
ومع تصاعد التوتر، يترك الزوج البيت لهذه الزوجة التي ضلَّ الرضا طريقه عنها، وبعد فترة يتزوج من أخرى، لتجد نفسها زوجة مهملة وحيدة، فتستشيط غضبًا وتطلب الطلاق، وهكذا أصبحت مطلقة للمرة الثانية.
ولكن القدر، الذي انتظر اللحظة المناسبة لينطق بحكمه، لم يترك الأمور عند هذا الحد. بعد الطلاق، تُصاب تلك الزوجة بعدة أورام في الرأس، وتحتاج إلى علاج طويل، لتجد نفسها في موقف أضعف مما تخيلت. لم يعد لديها القدرة على التحكم في مصيرها، بينما ترى طليقها وقد بدأ حياة جديدة، تزوج وأنجب، وأصبح أكثر سعادة واستقرارًا.
وهنا تبرز المفارقة الحادة: تلك التي رفضت الصبر على علاج زوجها، وجدت نفسها بحاجة إلى صبر لم تكن تمتلكه، وكأن الحياة قررت أن تعيد ترتيب الأوراق بطريقة أكثر قسوة مما كانت تتخيل.
ما يميز القصة هو قدرة الكاتبة على تحويل هذه القصة القصيرة إلى مشهد سينمائي متكامل، حيث تنبض الشخصيات بالحياة، ويتصاعد الصراع تدريجيًا بشكل طبيعي. فقد نجحت الكاتبة فاتن محمد علي في رسم صورة دقيقة لواقع العلاقات الزوجية الحديثة، حيث تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مزدوجًا: فهي تتيح الفرصة لتواصل سطحي قد يبدو متينًا في البداية، لكنه ينهار عند أول اختبار حقيقي.
واستطاعت الكاتبة، من خلال هذه القصة القصيرة، تسليط الضوء على عدة جوانب ذات أهمية قصوى في العلاقات الزوجية، مثل أهمية الصبر والتفاهم، وخطورة الاستناد إلى الصورة المثالية المرسومة عبر الإنترنت.
“و شاءت الأقدار” ليست مجرد قصة قصيرة، بل هي نموذج يشهد على دور الأدب في التعبير عن واقع المجتمع بأسلوب بسيط لكنه مؤثر. وربما تثير بعض التساؤلات حول القضية الأزلية: إلى أي مدى يتحكم القدر في مصائرنا؟ وهل نحن ضحايا اختياراتنا، أم أننا نصنع أقدارنا بأيدينا؟
.