عروس السراديب: حين يُغتصَب العلم وتتحول المعرفة إلى ساحة احتلال..«قراءة لرواية عروس السراديب للكاتبة عبير العطار»
بقلم الناقدة/ فاتن محمد علي
العنوان بوصفه عتبة دلالية
«عروس السراديب» بوصفه عتبة تأويلية مركبة، تجمع بين ثنائية الحياة/الموت، العرس/القبر، الضوء/العتمة. فـ«العروس» تحيل إلى الطقس، والاختيار، والاكتمال، بينما «السراديب» تستدعي الخفاء، الدفن، التاريخ المطمور، والوعي الجمعي المكبوت.
منذ العنوان، توجّه الكاتبة القارئ إلى أن الرواية ليست حكاية غرام فحسب، بل نصّ عن المصائر التي تُزفّ قسرًا إلى الظل، وعن الأجساد التي تعيش حياتها فوق طبقات من التاريخ المقموع.
البنية السردية وتعدد الأزمنة
تعتمد الرواية على بنية سردية متداخلة، تقوم على التناوب بين:
الزمن الفرعوني/اليوناني (إيزادورا – حابي)
الزمن المعاصر (هبة – سهاد –كاميليا حسن – خميس)
هذا التناوب لا يأتي على سبيل التوازي الشكلي، بل يوظف بوصفه مرآة تاريخية:
فالمأساة لا تتكرر لأنها متشابهة، بل لأنها لم تُحلّ جذريًا.
المرأة في الزمنين محكومة بالسلطة:
سلطة الأب/الحاكم
سلطة المجتمع/الزوج/العُرف
واللافت أن الكاتبة لا تستخدم تقنية الفلاش باك التقليدية، بل تذيب الأزمنة في بعضها، حتى يصبح الماضي أثرًا حيًّا في الحاضر، لا ذكرى منتهية.
المكان بوصفه بطلًا سرديًّا
المكان في «عروس السراديب» ليس خلفية محايدة، بل فاعل سردي أساسي:
السراديب
تونة الجبل
النيل
القصور
القبور
كلها أمكنة محمّلة بذاكرة جمعية.
السراديب تحديدًا تمثل اللاوعي التاريخي: ما دُفن ولم يُفهم، ما قُدّس ثم نُسي، وما ما زال يتحكم في الحاضر رغم صمته.
النيل، على الجانب الآخر، يعمل كرمز مزدوج:
هو الحياة، لكنه أيضًا شاهد صامت على الظلم المتكرر.
الشخصيات
إيزادورا
ليست مجرد قديسة عاشقة، بل أنثى نُفيت من حق الاختيار.
حبها لحابي ليس تمرّدًا رومانسيًا ساذجًا، بل محاولة إنسانية لاختراق جدار الطبقة والسلطة.
مأساتها تنبع من كونها واعية، لكنها عاجزة.هي الشخصية التي منحها الإله ملكة قراءة الافكار، وتتحرك داخل البعد الأسطوري/الميثولوجي للرواية، حيث تتقاطع المعرفة مع المقدّس، والحاضر الواقع حين تمنحها الألهة فرصة البعث.
. حابي
شخصية مشغولة بثنائية الفداء/العجز.
يمثل الإنسان الذي يدفع ثمن العشق حين يتقاطع مع السلطة.
حضوره ليس بطوليًا بالمعنى التقليدي، بل وجودي.
. هبة
هي الامتداد المعاصر لإيزادورا.
امرأة تبحث عن الخلاص عبر الطقس، عبر القداسة، عبر الجسد.
معاناتها مع الإنجاب ليست بيولوجية فقط، بل رمزية:
عقم العدالة، وعقم الإنصاف الاجتماعي.
سهاد
أكثر الشخصيات تركيبًا.
تمثل المرأة الحديثة الممزقة بين التعليم، والقهر الزوجي، والتاريخ العائلي الزائف.
قصتها تفضح بوضوح العنف الذكوري، لا عبر الخطابة، بل عبر التفاصيل اليومية، الصمت، والخذلان المتكرر.
كاميليا ليست عالِمة فقط، بل امرأة وصلت إلى ذروة الاكتمال المعرفي في عالم لا يسمح للهامش أن يمتلك اكتشافًا نوعيًا. بحثها في الجينوم لا يُقابل بالدهشة العلمية، بل يُستقبل كخطر يجب احتواؤه. وهكذا، يتحوّل الاكتشاف إلى فخ، ويصير العلم سببًا للتهديد لا للحماية.
حضورها إنساني/واقعي، ووظيفتها السردية مرتبطة بالامتداد، وبالرهان على المستقبل، لا بالمعرفة الفوقية.
كاميليا ليست ضحية ساذجة، بل امرأة مدركة تمامًا لما يُسلب منها.
صراعها ليس بين الخير والشر، بل بين:
الأمومة والخوف على ابنتها ايزيس
والمسؤولية الأخلاقية تجاه البحث
وهنا تكمن قوة الرواية: إذ تكشف أن الاختيار الأخلاقي نفسه قد يكون قهرًا حين يُفرض داخل منظومة غير عادلة.
ايزيس – المعرفة المقاومة
، ابنة كاميليا، ليست امتدادًا أسطوريًا لإيزادورا، بل امتدادًا معرفيًا للأم تمثل:
المستقبل
والوعي
والمعرفة التي لا تُختزل في ملف أو تُسلَّم تحت تهديد
هي الجيل الذي يرى، ويفهم، وقد يملك لاحقًا قدرة الرد.
برايان (البريطاني)
لا يُقدَّم بوصفه عالمًا فحسب، بل باعتباره امتدادًا ذكيًا للاستعمار الكلاسيكي في ثوبه الجديد.
برايان لا يسرق المعرفة عَرَضًا، بل يخطّط، يراقب، ينتظر اللحظة المناسبة.
خطورة الشخصية لا تكمن في عنفها الظاهر، بل في برودها الأخلاقي، وقدرتها على تحويل البحث الإنساني إلى ملكية خاصة.
شتيفان (الألماني)
يمثل الوجه الآخر للعملة ذاتها:
العلم بلا ضمير، والمنهج بلا إنسان.
تحالفه مع برايان ليس تحالف أفراد، بل تحالف أنظمة؛ فاختلاف الجنسيات لا يلغي وحدة الهدف:
السيطرة على المعرفة المنتَجة في الهامش، وإعادة تصديرها باسم
، تتأكد براعة الرواية في الفصل بين نوعين من المعرفة:
معرفة بشرية مكتسبة
تمثّلها د. كاميليا وبحثها في الجينوم؛ معرفة قابلة للسرقة، للمصادرة، وللاغتصاب تحت التهديد، لأنها تنتمي إلى عالم البشر والمؤسسات والقوة.
معرفة كاشفة/مقدسة
تمثّلها إيزادورا، التي لا تنتج العلم بل تُمنَح الكشف. وهي معرفة لا يمكن مصادرتها، لأنها ليست وثيقة ولا بحثًا، بل سرًّا متجاوزًا للسلطة.
هنا تتبدّى دقة البناء:
الرواية لا تمنح ابنة العالِمة قوى خارقة، كي لا توهم القارئ بأن المستقبل سيُخلَّص بالمعجزات، بل تترك ايزيس داخل الهشاشة الإنسانية، في مقابل إيزادورا التي تنتمي إلى طبقة رمزية أخرى، خارج التاريخ .
حسن
حسن هو نموذج الرجل الطيب السلبي، الذي لا يمارس العنف، لكنه يراوغ ويخفى حقيقة عقمه ومن ثم يتواطئ مع الدكتور برايان لزرع خلية حابى فى رحم زوجته، يظهر بمظهر المحب، ويخفى حقيقة اطماعه.
شخصيته تفضح شكلًا آخر من القهر: قهر الصمت، والتواطؤ
حسن يحب، لكنه لا يملك أدوات المواجهة، فيتحول حضوره إلى دعم عاطفي غير قادر على إحداث تغيير بنيوي في حياة المرأة.
خميس
يمثل خميس العنف الذكوري الصريح، العاري من أي تبرير أخلاقي.
هو تجسيد للسلطة حين تنفصل عن العقل والرحمة، وتتحول إلى أداة إخضاع.
الرواية لا تحاكمه عبر خطاب مباشر، بل تترك أفعاله تتكلم، ليغدو رمزًا لنظام اجتماعي كامل، لا لشخص فردي فقط.
الجد عمران
الجد عمران لا يُقدَّم بوصفه طاغية عائليًا، بل رجلًا بسيطًا يحمل رغبة تقليدية في الحفيد الذكر.
الرواية لا تُشيطنه، بل تضعه داخل سياق ثقافي، لتؤكد أن بعض أشكال الضغط ليست نابعة من الشر، بل من الموروث.
وهذا التفريق بالغ الأهمية؛ إذ يحرر النص من التبسيط الأخلاقي.
اللغة والأسلوب
لغة الرواية شاعرية – طقسية – كثيفة، تميل إلى:
الجملة المتوسطة إلى الطويلة
التراكيب المجازية الإيقاع الهادئ المشوب بالحزن
اللغة تخدم الرؤية، لكنها أحيانًا تفيض عن الحد الدلالي، فتقترب من الزخرفة، خاصة في المقاطع الوصفية المطوّلة.
تشتغل رواية «عروس السراديب» على محور العلم لا بوصفه خلاصًا إنسانيًا، بل بوصفه مجال صراع سلطوي. فالمعرفة هنا ليست محايدة، بل محمولة على شبكة مصالح، تتحول داخلها الاكتشافات إلى موارد قابلة للمصادرة.
بحث د. كاميليا في الجينوم يمثّل سيادة معرفية، ولهذا يصبح هدفًا مباشرًا. ما تطرحه الرواية بجرأة هو أن الاستعمار العلمي لا يحتاج إلى احتلال جغرافي؛ يكفيه الوصول إلى العقول، ثم انتزاع ما تنتجه. مشهد التهديد المسلح يعرّي هذه الحقيقة بلا مواربة: حين تعجز اللغة الأكاديمية، يتكلم السلاح. في هذا السياق، لا تبدو براعة الرواية في إدانة الغرب بقدر ما تكمن في فضح بنية الهيمنة ذاتها؛ فالعلم حين يُفصل عن الأخلاق، يتحول إلى أداة سيطرة لا تقل خطورة عن القوة العسكرية. ومن هنا، يصبح جسد العالِمة، وذاكرتها، وخوفها على ابنتها، جزءًا من معادلة الصراع.
تحالف برايان البريطاني وشتيفان الألماني ليس تحالف شخصين، بل التقاء مركزين معرفيين على هدف واحد: انتزاع البحث من صاحبه، ولو بالقوة المسلحة.
هنا تبلغ الرواية ذروتها الأخلاقية: العلم، حين يُفصل عن العدالة، يتحول إلى عنف صريح.
لا تقدّم الرواية برايان وشتيفان بوصفهما شريرين نمطيين، بل كوجهين لمنظومة استعمارية حديثة، تبدأ بالاحتواء الناعم وتنتهي بالإكراه. اختلاف الجنسيات لا ينتج اختلافًا في القيم، بل يؤكد وحدة المركز حين يتعلّق الأمر بالهيمنة على المعرفة القادمة من الهامش. مشهد التهديد المسلح لا يُقرأ بوصفه تصعيدًا دراميًا فحسب، بل بوصفه اعترافًا ضمنيًا بفشل خطاب أخلاقيات البحث
تمثّل رواية «عروس السراديب» نقطة تحوّل في السرد العربي المعاصر عبر نقل مركز الصراع من الأرض والسلطة السياسية إلى المعرفة العلمية ذاتها.
بحث د. كاميليا في الجينوم (الفاجينوم) لا يُقدَّم كمنجز فردي فقط، بل كـقيمة سيادية، وكمورد استراتيجي يثير شهية القوى المهيمنة.
مشهد اغتصاب البحث تحت التهديد المسلح ليس حدثًا بوليسيًا، بل ذروة دلالية تكشف زيف الخطاب الغربي حول أخلاقيات البحث العلمي.
هنا، يتحوّل العالِم من باحث إلى مستعمِر معرفي، وتتحوّل العالِمة إلى موقع استباحة.
عروس السراديب» نصٌّ لا يُقرأ بوصفه رواية أسطورية أو اجتماعية فحسب، بل نصًا سياسيًا معرفيًا بامتياز.
هكذا تكتب عبير العطار رواية لا تطمئن القارئ، بل تضعه أمام حقيقة مقلقة: الاستعمار لم ينتهِ، لقد غيّر لغته فقط.
