
عفوًا سيدتي... ليس دفاعًا عن الرجل
بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

شد انتباهي عنوان المقال “ونسيت أنها امرأة”، المنشور على صفحات منصة “مبدعات عربيات”، والذي قدمته الكاتبة المتألقة غادة جاد، عن مقال نُشر على موقع جريدة تليغراف نقلا عن موقع LinkedIn للأمريكية أنجيلا بلير، في عدد الجمعة ٧ مارس ٢٠٢٥.
عندما بدأت في قراءة المقال، تفاجأت بما كان يحتويه من آراء وأفكار جعلتني أتوقف لبعض الوقت، ثم عدت للقراءة مرة أخرى، ووجدت نفسي أعيد النظر فيما قرأته. لا أخفي أنني شعرت في البداية بدرجة كبيرة من التوتر والإحباط، وبدأت أردد بيني وبين نفسي متعجبة، قائلة: “حقًا… نحن نعيش في فوضى العالم الجديد”، فالعالم من حولنا أصبح مليئًا بالعوامل التي تسبب شعورًا دائمًا بعدم الاستقرار.
لم أتمكن من تجاهل ما قرأته أو ترك المقال جانبًا دون الالتفات إليه بعين فاحصة ومتأملة. والحق أن ما أثاره هذا المقال بداخلي من أفكار قد تكون غريبة أو جريئة لا يستدعي الانتباه فقط، بل القلق والتوتر. للأسف، أصبحت هذه الأفكار الغريبة متداولة بكثرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثل Facebook وغيرها من التطبيقات الإلكترونية التي لا مفر لنا أو لأبنائنا من استخدامها يوميًا. هذه الوسائل تؤدي إلى خلق ضغوط ترتبط بحياتنا في مختلف نواحيها: الاجتماعية، الدينية، والقيمية، فضلًا عن تقاليدنا التي نشأنا عليها وحافظنا عليها دومًا.
دعونا نتأمل ما كتبته صاحبة هذا المقال، المعروفة باسم “أنجيلا بلير”، وهي أمريكية الجنسية، نشأت في أحد أحياء ولاية نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، وتبلغ من العمر 34 عامًا. تعيش حاليًا في بلغراد وتعمل في المجال التجاري بين بلغراد وصربيا.
تقول أنجيلا: “لقد أثار منشوري الكثير من الجدل، لكنني متمسكة برأيي: يجب على النساء البقاء عازبات وعدم إنجاب أطفال لأن الزواج يفيد الرجال فقط. إذا لم يستطع الرجل توفير حياة مريحة لزوجته وأسرته، فلا يجب أن ينجب أطفالًا، لأنهم يعتبرون من الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها”. كما عبرت في مقالها عن غياب التكافؤ بين ما يحصل عليه الرجل والمرأة من مزايا عند الزواج، فقد أشارت إلى أن الرجل يحصل -حسب رؤيتها- على كل المزايا المهنية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية، بينما تتحمل النساء كل المخاطر الأخرى للحياة الزوجية، من معاناة الظروف المعيشية، وتربية الأبناء، وتحمل جميع الأعباء الأسرية في ضيق ومشقة.
أكدت بوضوح أنها تفضل أن تبقى عازبة، إلا إذا كان لديها المال الكافي والدعم القوي لتقبل حياة زوجية. وإلا، فإنها ترفض فكرة الزواج تمامًا! وعقدت أنجيلا مقارنة بين الرجل الأمريكي والرجل الصربي، في مقارنة بدت غير متكافئة أو مدروسة، ولا يمكن استيعابها علميًا أو عمليًا. فقد انتقدت الرجال الأمريكيين، معتبرة أنهم غير مسؤولين وغير قادرين على العمل الجاد، كما أنهم غير متعاونين في تربية الأبناء، ووصفتهم بـ”أنصاف رجال” غير جديرين بالتقدير أو العلاقات الجادة.
لنكتفي بهذا القدر مما ذكرته “أنجيلا بلير” في مقالها من آراء متطرفة وغير مبنية على أسس علمية. يبدو أنها تميل إلى التعبير بآراء ساذجة تشبه أقوال بعض المراهقين المتمردين، خاصة عند مناقشة مفهوم الزواج وقدسيته وأهميته في تحقيق التوازن داخل المجتمعات. فالزواج هو مؤسسة تحمي النشء والأجيال، وتعتمد عليها أسس نجاح أي مجتمع وتحقيق استقراره الاجتماعي والأمان لأفراده.
أظهرت البحوث والدراسات العلمية أن النساء المتزوجات أكثر سعادة وصحة وثراء مقارنة بالعازبات الوحيدات، اللواتي قد يعانين في حياتهن- على عكس زعم أنجيلا بلير.
بنظرة واقعية وحيادية على الآراء التي طرحتها الكاتبة، نجد أننا نعيش في عالم يتسم بفوضى الأفكار والمعايير، حيث ظهرت عوامل متغيرة تؤدي إلى تفاقم المشكلات الاجتماعية، لا سيما في المجتمع الأمريكي. تنتشر هذه الأفكار المتطرفة بين الشباب، حيث يتعرضون للانتقادات والاعتداءات الجسدية في المدارس، مما يؤدي إلى شعورهم بالعزلة والانضمام إلى مجموعات منبوذة اجتماعيًا.
تشير الدراسات إلى أن نسبة ١٥% من طلاب المدارس الثانوية الأمريكية يتعاطون الخمور، وأن ثلث الأطفال تحت سن الثامنة عشرة يتعاطون المخدرات. بالإضافة إلى أن عدد البنادق التي يحملها التلاميذ إلى المدارس يوميًا يصل إلى ثلاثمائة ألف بندقية. كما تعرضت أكثر من مليون فتاة مراهقة للحمل خارج نطاق الزواج، وينتحر حوالي ألفي مراهق سنويًا.
بناءً على هذه التقارير، يصبح من الواضح أن المشكلات التي يواجهها الأطفال والمراهقون في المجتمع الأمريكي تتجاوز التوقعات. إنها صورة مفزعة تعكس تزايد العنف والفوضى، مع غياب الحلول الكافية لمعالجة هذه المشكلات.
من واجبنا أن نقلل من تعرض أبنائنا للتأثيرات الضارة ونساعدهم على التعامل مع صعوبات الحياة. أفضل وسيلة لذلك هي التحدث معهم عن مشكلاتهم وإرشادهم. التربية هي عملية مستمرة تتطلب تواجدنا بجانبهم، التحلي بالمرونة، والإحساس بالآخرين.