
علمهم كيف يتعلمون
بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم- استشاري نفسي

اسأل نفسك هذا السؤال : كم عدد الأنشطة والحوارات التى دارت بينك وبين والديك عندما كنت طفلًا وتستطيع أن تتذكرها حتى الآن ؟ إن ذهنك لا يحوى إلا عددًا قليلًا منها . وعلى أية حال ، أنت لن تستطيع تذكر كل ما دار بينك وبين والديك ، ولكنك تستطيع – على الأرجح – وصف شكل العلاقة التى جمعت بينكم بدقة ، كيف كانا يعاملانك ،. ردود أفعالهما عندما تواجهك مشكلة ما ، وكم مرة تواجدا فيها من أجلك .
إن كل تفاعل يحدث بيننا وبين أطفالنا يترك إنطباعا فى اللاوعي لديهم . فعندما نضحك معهم ، يشعرون بالبهجة، وعندما نتجاهل مشاكلنا لنقضى معهم بعض الوقت، يشعرون بمدى أهميتهم بالنسبة لنا .وعندما نلمح لهم بأنهم قد خيبوا أملنا فيهم ، يشعرون بأنهم فاشلون .
يجب علينا أن نكون إيجابيين عند التعليق على الأمور المهمة مثل : الدرجات فى الاختبارات والإنجازات الرياضية مثلا والحفلات الموسيقية التى يعزفون بها . ففى بعض الأحيان تتوه ” انتصارات ” الأطفال اليومية فى دوامة الحياة . وعلى أية حال ، فإن ما نريد التأكيد عليه هنا الأمور الصغيرة مثل تلوين اللوحات ، أو تمثيل مشهد فىً غرفة المعيشة ، أو رمى كرة السلة ، أو أرتداء الأطفال لملابسهم بأنفسهم ، أو عندما يقولون ” من فضلك ” و ” شكرًا لك ” فمحاولة البحث عن الإيجابيات فى سلوك الطفل – مهما كانت تلك الإيجابيات صغيرة لا نفع فيها ولا ضرر – تترك فى لاوعى الطفل رسائل مثل ” أنا إنسان ذو قيمة ” . ويتذكر الشخص تلك الأمور عندما يكبر ، فهى تشكل شخصيته أكثر من تعلم القراءة والكتابة فى سن الرابعة أو السادسة .
يقول أحد المعالجين الأسريين ” إن البهجة التى يشعر بها الطفل فى مختلف مواقف حياته تكون بمثابة تحصين عاطفى له يقيه من مختلف المخاطر التى يواجهها عندما ينضج ويواجه شتى الصعوبات والمشكلات فى الحياة ” . فعندما تشعرنا إنجازات أطفالنا الصغيرة بالسعادة وندع الأطفال يرون تلك السعادة فى أعيننا ، نكون بذلك قد اهتممنا بهم حقا ، حيث لا يعنى الاحتفاء أو شئ أكثر من هذا .
ويساعدنا هذا أن نعرف أن الأطفال الذين يحبون التعلم يكون أدائهم أفضل فى المدرسة . فهم لا ينظرون إلى المدرسة على أنها مجرد روتين يومى ، كما أنهم عادة ما يضعون نصب أعينهم أهدافًا أكاديمية عالية للوصول إليها . ولحسن الحظ ، فإنه بإمكاننا تعليم أطفالنا كيف يحبون التعلم وكيف يكونون متعطشين للمعرفة . إن تعليم الاطفال حب التعليم والتعلم هو بلا شك أهم ما نستطيع تعليمه لهم خلال سنوات دراستهم .
لكن إذا ما أرادنا أن نعلم أطفالنا كيف يتعلمون ، يجب أن نضرب لهم مثلًا وهو أن نصبح نحن أيضًا راغبين فى التعلم . فعندما نقرأ الكتب والصحف ، ونتابع الأخبار السياسية والعملية ، ونتناقش فى الموضوعات ، والأحداث الجارية حول مائدة العشاء ، فإننا بذلك نظهر لأبنائنا أننا مهتمون بمعرفة ما يجرى حولنا ، ونظهر لهم أيضًا أن عملية التعلم لا تتوقف بمجرد مغادرة المدرسة .
إن تعليم الأطفال كيف يتعلمون يعنى أيضا ضرورة الأهتمام بما يعرفه الأطفال بالفعل أكثر من أهتمامنا بالدرجات التى تحويها شهاداتهم المدرسية . ولا تعتقد أن مثل هذه المهمة ستكون سهلة التنفيذ ، ولا أنه لا علينا سوى قبول أن يكون الطفل مستواه ضعيفًا فى المدرسة :
لكن وفقا لنتائج عددا من البحوث العلمية فى هذا الصدد : ” آنه عندما نظهر أننا مهتمون بما يعرفه أطفالنا ، لن يشعر الأطفال بالقلق حيال الدرجات التى يحصلون عليها ، فهم غالبًا ما يتمكنون من نيل درجات عالية ولا بأس بها ، ولكن الأهم من ذلك هو أنهم سيظهرون المزيد من الأهتمام بشأن العملية التعليمية ذاتها ، أى الرغبة فى المعرفة والفضول . فلقد أصبح آباء اليوم لا يهتمون إلا بدرجات أبنائهم ، لدرجة أن ما يتعلمه الأبناء حقا يأتى فى المرتبة الثانية بالنسبة لهم” .
ولهذا من المهم نأخذ بعين الأعتبار أن نولد داخل أبنائنا حب التعلم لتصبح ملازمة لهم طوال حياتهم ، نكون بذلك قد وضعناهم على أول درجات النجاح سواء دراسيًا أو حياتيًا .
أى مثلما يقول المثل الذى نردده دائما :
” سنريهم فقط الباب ، وسيكون عليهم العبور خلاله .