فخار السودان في ظل الاحتفاء السعودي

WhatsApp Image 2025 03 13 at 15.35.30 7110c558

فخار السودان في ظل الاحتفاء السعودي

بقلم الدكتورة/ بلسم عبد الحميد احمد القارح

مدير مكتب الأثارالاقليمي -البحر الأحمر

مدير متحف البحر الأحمر للآثار والتراث- السودان 

 

WhatsApp Image 2025 02 21 at 05.57.01 c2e88c2d


    أعلنت المملكة العربية السعودية عام 2025عام الحرف التقليدية وكأنها توقد شعلة من نور تضيء بها دروب الإبداع الإنساني الممتد عبر العصور ومن هذا الألق نلتقط الشعلة بحب لنحملها نحو السودان حيث يقف الفخار شاهدًا على التاريخ ناطقًا بلسان الأجداد، وموثقًا لحكايات الإنسان الأول مع الأرض إنه الفن الذي لا يعرف الفناء والميراث الذي حملته الأيدي جيلاً بعد جيل ليبقى رابطًا أبديًا بين الطين والروح وبين الحاضر والماضي وبين الشعوب مهما تباعدت المسافات. الفخار في بلدي ليس مجرد صناعة تقليدية بل هو جزءٌ لا يتجزأ من هويتنا الثقافية وهو شاهد حي على تطور حضارة تمتد جذورها إلى أزمنة بعيدة كان الفخار هو الوسيلة التي عبرت من خلالها الثقافات عن نفسها ففخار حضارة كرمة على سبيل المثال يمتاز بتصميماته الفريدة التي تعكس براعة الحرفيين في تلك الحقبة. لقد قدموا تحفًا فنية بديعة استخدموها للأغراض اليومية ولحظات الرفاهية على حد سواء فضلاً عن الأوعية الدينية التي كانت تزين المعابد والمقابر ما يميز فخار كرمة أيضًا هو المصقول اللامع ذو الفوهة السوداء الذي يحاكي الخزف الفاخر الذي نراه في أيامنا هذه.

  وبانتقال السودان إلى مرحلة حضارة كوش الثانية تجلى تطور الفخار في فترتي نبتة ومروي جاء فخار نبتة محافظًا على البساطة والأناقة أما مملكة مروي فقد شهدت قفزة نوعية في صناعة الفخار حيث تأثر بالإرث الإغريقي والروماني مما أضفى عليه أبعادًا جديدة من حيث التقنيات والزخارف لتظهر أوانٍ ملونة ذات نقوش رمزية تعكس المعتقدات الدينية والسياسية للحضارة المروية مما جعلها قطعا فنية تحمل تاريخًا وحضارة متشابكة .

       تتابعت الحقب المزدهرة لتصل إلى العصر المسيحي في السودان حيث نشأت الدويلات المسيحية الثلاث التي امتد نفوذها جنوبًا حتى مناطق جنوب ملتقى النيلين مما أضفى على الفخار طابعًا متجدّدًا مستوحًى من بيئته المتنوعة وساكنيها في هذه الحقبة لم يعد الفخار مجرد أداة وظيفية بل تحول إلى حامل للرموز الثقافية والدينية التي تعكس المعتقدات المسيحية فظهرت تصاميم دقيقة وبديعة تجسّد البراعة الفنية لتلك الفترة كما غدا الفخار وسيلة لنقل الإرث وتوثيق لحظات تاريخية هامة في السودان حيث تماهى الفن الفخاري مع الممارسات الدينية والطقوس الكنسية ليصبح جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية والدينية.

    مع دخول الإسلام وانتشاره في السودان مر الفخار في العصور الإسلامية بتطورات هامة حيث اكتسب طابعًا جديدًا يعكس روح هذه الحقبة تبنت تلك الفترة تقنيات متطورة امتازت بالبساطة والأناقة في التصميم مما جعل الفخار أكثر تنوعًا وابتكارًا كما شهدت هذه الفترة ازدهارًا ملحوظًا للفخار الزخرفي الذي زين المساجد والمباني الإسلامية حيث نقش عليه رسومات دقيقة وأشكال معبرة مما جعله جزءًا لا يتجزأ من العمارة الإسلامية ومصدرًا لإبراز الروح الفنية والإيمانية للمجتمع.

     واليوم ومع تمازج الفخار السوداني بتقنيات العصر الحديث يظل هذا الفن متجذرًا في الذاكرة الثقافية تحمله الأمهات في مختلف مناطق السودان إلى أبنائهن ليس كحرفةٍ فحسب بل كرمزٍ للهوية والانتماء تبقى القطع الفخارية شاهدةً على تقاليد الأسرة والمجتمع تحتضن في طياتها جوهر الثقافة السودانية وتصل الأجيال ببعضها عبر لمساتٍ حية من أيدي الحرفيين إن إحياء الفخار في هذا العام يمثل فرصةً لإعادة الارتباط بإرثنا الثقافي العريق واستكشاف إبداعه المتجدد. فالفخار في السودان ليس مجرد صناعة، بل شهادة حية على تاريخ طويل وحضارة غنية. يظل هذا الفن جزءًا لا يتجزأ من هوية الشعب السوداني، حيث تحكي كل قطعة فخار قصة الأجيال السابقة وتُعبّر عن تطور الثقافة عبر العصور مع كل منحنى وكل نقشه يتجسد التراث السوداني في شكل جديد ليبقى رابطًا قويًا بين الماضي والحاضر.

   وفي “عام الحرف التقليدية ” لا نحتفي بالفخار كفنٍ وحسب بل كجسرٍ يمتد عبر الزمن يحفظ هويتنا الثقافية ويؤكد على استمرارية الإبداع الإنساني عبر العصور.


مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *