قلل سقف توقعاتك لكي تسعد

WhatsApp Image 2025 02 13 at 16.39.25 0c63036b

قلل سقف توقعاتك لكي تسعد

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم- استشاري نفسي 

WhatsApp Image 2024 11 14 at 14.44.58 03be108d


جاءتنى بالعيادة حائرة ، قلقة ، تبدو عليها مظاهر الحزن وتقول : توقعت أن تكون حياتى الزوجية أكثر سعادة وأكثر تفهما وأكثر هدوءا مما هى عليه الان ، تزوجت عن حب واقتناع بزوجى المدير العام الناجح ، وهو أبو أبنائى الثلاثة الذين على وشك التخرج من جامعاتهم قريبًا، ولكننى وللآسف لم يتحقق من توقعاتى ما كنت أتمناه ، بل على العكس حياتنا تزداد صعوبة يوما بعد يوم فى ظل المشاحنات الدائرة بيننا على أتفه الأسباب ، ونختلف دوما على أشياء كثيرة لا تستحق ان نختلف عليها .. أبنائى ليسوا قريبن منى أو من والدهم ، وقد يكون بسبب عدم تواجده الدائم فى المنزل ، وقلة اهتمامه بالسؤال عليهم أو محاولته قضاء أوقات معهم ، وهذا منذ أن كانوا صغارًا وكثيرًا ما كنت أطلب منه ان يوفر بعض الوقت المناسب – ولو قليلًا  –  لأبنائه ولكنه دائمًا ما كان يتجاهل طلباتى هذه  بحجة أنه مشغول ،  ويعطيني محاضراته المعتادة ، بأنه يكفينا أننا لدينا منزل كبير ، ولا ينقصنا شيئًا ،  ونعيش مبسوطين ، كنت فى بداية حياتنا أجد له الأعذار واكتفى بكلماته هذه وأسكت ، ولكننى وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا على زواجنا أرى انه ليس هناك أو فائدة من سكوتى المصطنع ، أو تقبلى لحياة عائلية تفتقر لعلاقات دافئة ، وانها لا  تمت لا من قريب آو بعيد من توقعاتى هذه ، وأشعر بمرارة وحزن داخلى – نفسى لا اطيقه ، ولا  أتصور ان هناك اى شئ يتغير  أو ستختلف شكل حياتنا وتكون افضل مما هى عليه أو حتى أحلم أن نكون أسرة سعيدة تهنأ بما هو جميل فى حياتها ..  


المشكلة التى جاءت بها هذه السيدة هى نموذجًا اصبح شائعا فى حياة الكثيرين منا ، وهى تتعلق بتوقعاتنا التى نرسمها ونخطط لها دائما – وعادة – لا تتحقق  كما يريدها الشخص ويصعب أيضا عليه ان يتنازل عنها ..

قد يكون من السهل أن تقول لإنسان : تنازل عن توقعاتك  أو ما تتمناه ،  ولكن ذلك يصعب تطبيقه . إن الآمل  جزء من الحياة ، ويبدو أنه جزءً متأصل من تفكيرنا . وفى جميع الأحوال , إذا استطعت ان تقلل من توقعاتك  – ولو بقدر بسيط –  بالنسبة لما يفترض أن تكون عليه الاشياء فعلًا  .. وبدلا منه ، ركزت على واقعك الذى هو واقع بالفعل ، فإنك بذلك ستكون ماضيًا على الطريق الموصل إلى حياة يسودها قدر أكبر من الهدوء والسعادة .


فى الحقيقة ، إن توقعاتنا  ومعها أمنياتنا هى المسؤولة عن قدر كبير من الحزن والضغط الذى نعانيه ، فإننا نتوقع شيئًا أن يكون على نمط معين ، أو نتوقع  من شخص أن يتصرف بأسلوب معين ، ولا يحدث الأمر كما كنا نتوقع  -عندها – فإننا نشعر بالضيق والانزعاج وخيبة الأمل وعدم السعادة ، ولأن الحياة نادرًا ما تأتى كما نتوقع ، أو كما نحب ، فإن الأمر ينتهى بنا إلى قضاء وقت طويل فى الشعور بالخذلان ،  والاحباط ، وخيبة الأمل ، ونظل نأمل دائما أن تختلف الحياة عما هى عليه ، بالفعل ونعيشه فى واقعنا اليومى  ، وعليه ، فبدلا من أن ننظر إلى دورنا فى حدوث ذلك ؟ ، فإننا نظل نلقى باللوم على الحياة والظروف .. إلى غيرها من الأمور التى تطرأ علينا دوما ..


وهذا ما تم ،  ونستطيع  أن نستنتجه بالفعل فى المشكلة التى جاءت بها مريضتنا  فى بداية هذا المقال . فقد وقعت فى المعاناة النفسية نتيجة لتوقعاتها التى بنتها وكانت تتمناها -وهى مفعمة بالحماس – ان مسار حياتها سواء علاقتها الزوجية أو بين أفراد أسرتها تكون ممتلئة بالعلاقات الدافئة التى تتمناها ورسمتها فى خيالها فى بدايات حياتها الزوجية ، ولكن جميعها باءت بالفشل  ، ولم تتحقق كما كانت تأمل لها ، فقد  كانت تتوقع أن تكون حياتها مع زوجها أكثر حبًا وأكثر تفاهمًا وأكثر دفئًا ، كمًا إنها لم تتوقع أن ابنائها سيكونوا بعاد وغير مكترثين أو يرفضون القرب منها أو من ابوهم .. فبدلًا من توقعاتها بوجود علاقة دافئة بينها وبين ابنائها جاءت تصرفاتهم مختلفة عن ما كانت تأمله وتتمناه ، ونتيجة لذلك ، ثارت ثائرتها  ، وتألمت ، وشعرت بالحزن على ما هو واقعًا بالفعل فى حياتها العائلية ، وبدات تتساءل ماذا وما الذى يحدث أو حدث لجميع أفراد عائلتها ؟ ..

قد كان من الضروري ان تفتح عيناها وتنتبه لما هو واقع بالفعل وتترك جانبًا الإصرار على حدوث الامر بصورة معينة – ترفضها تماما بناءا على توقعاتها المبكرة فى حياتها الزوجية .


إننى هنا ، لا أقصد لهذه الزوجة ألا تهتم بما حدث،  أو تتجاهله، فالطبع هناك بعض الأوقات من الأهمية أن تصر على تعديل بعض الاخطاء والتصرفات التى تعيق من تواصل زوجها معها بشكل أكثر تفهمًا ووعيا لتبادل الحوارات والاراء لخلق حياة أسرية دافئة ، وأن تطلب مستويات معينة من السلوكيات الفعالة فى تعاملاتهم مع بعض داخل العائلة..


نحن نتحدث – هنا بصورة محددة – عن تقليل سقف التوقعات باستمرار أو بشكل دائم – وليس تقليلا من السلوكيات التي تساعد أفراد عائلتها الى خلق مناخ دافئًا فيما بينهم كا عائلة متماسكة وحريصة على وجود التفاهم فيما بينهم . 

هذا من شأنه أن يحافظ على استمرارية  توقعاتها الخاصة والتى تحرص عليها هذه الأم ، ويكون هدفها العمل الجاد  على تحسين ظروف الحياة الاسرية ، وإبعاد صغائر الامور من السيطرة عليها أو على زوجها وأفراد الأسرة .


من الأهمية -فعلًا -أن ندرك ضرورة التنازل عن بعض التوقعات التى نتمسك بها بشكل متصلب أحيانا ، وبهذه الطريقة يمكننا أن نستمتع بقدر أكبر من حياتنا كما هى فعلًا ، وأن نقلل من إصرارنا  أن تكون بالشكل الذى نريده أو نرغب فيه .


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *