
« لام شمسية».. حين تقتحم الدراما المسكوت عنه
بقلم الأديبة الدكتورة/ علياء إبراهيم

ليست الدراما مجرد مرآة تعكس الواقع، بل في بعض الأحيان تنجح في الكشف عن قضايا طالما تجنب المجتمع مواجهتها، مثل التحرش بالأطفال. ومع أن الدراما قد لا تنقل الحقيقة بكل تفاصيلها، لكنها قادرة على خلق وعي مجتمعي، وفتح نوافذ الحوار حول ما نخشى الخوض فيه. فالدراما في معالجة مثل هذه القضايا الحساسة ليست مجرد حكاية تُروى، بل مسؤولية أخلاقية تسعى لرفع الغطاء عن هذا المسكوت عنه، مع الحرص ألا تغرق في الإسفاف أو تجرح الحياء أو تعبث بوجدان المشاهد.
في أولى حلقاته، اقتحم مسلسل «لام شمسية» للكاتبة مريم نعوم منطقة شائكة لطالما تحرّجت الدراما من الاقتراب منها: التحرش الجنسي بالأطفال، خصوصاً حين يصدر هذا الانتهاك من أقرب الأقربين (من داخل الأسرة أو محيط الطفل القريب)، ممن يُفترض أن يكونوا ملاذًا آمنًا لا مصدر تهديد، فيتضاعف الألم والخذلان، حيث الصدمة لا تنبع فقط من الجريمة، بل من هوية الجاني، الذي غالباً ما يتخفّى خلف قناع الأمان والثقة.
لكن الدراما وحدها لا تكفي، ولا ينبغي أن تُؤخذ هذه المشاهد كصورة مطلقة، فكل حادثة تتلون بتفاصيل البيئة الاجتماعية والثقافية التي حدثت فيها، ولذلك يجب أن نغوص عميقاً في جذور المشكلة. فالتحرش بالأطفال ليس وليد اليوم، بل إرث ثقيل حملته المجتمعات عبر الأزمان. ومع تسارع وتيرة الحياة وتبدّل أولويات الأسر، بات الطفل أضعف من أن يصمد وحده أمام هذا الخطر، سواء في الواقع أو خلف الشاشات التي توهمه بالأمان.
تتجلى المأساة حين تُلقي بعض الأسر بأطفالها في أحضان من يقومون على خدمتهم، في ظل استخدام عمالة من جنسيات تركت بلادها لفترات طويلة، ما أصابهم باضطرابات، قد ينتج عنها أفعال مشينة؛ مثل التحرش بالأطفال، أو حين توكل مهمة رعاية الأطفال للأقارب الموثوق بهم، مع تجاهل أن هؤلاء قد يحملون هم أنفسهم جراحاً قديمة وضغوطاً دفينة، ما قد يجعل الطفل في رعاية أيادٍ تفتقر إلى الأمانة في غياب الوعي والثقافة الوقائية.
وتشتد المأساة حين يُحاصر الفقر والجهل الأسرة، فتختنق الخصوصية، وتتلاشى الحدود بين الصغير والكبير، وتغيب المساحات التي تحفظ براءة الطفولة. يُجبر الطفل على التعايش مع مشاهد لا تناسب سنه، مكشوفاً بلا حواجز تحميه، وبلا من يُدرك حجم الخطر الذي قد يهدده.
تشير بعض التقارير إلى أن التحرش قد يقع في أماكن يُفترض أنها الأكثر أماناً: المنزل، المدرسة، النادي. ويكون المعتدي شخصاً لا يخطر على البال، كالجد الذي أنهكته اضطرابات الشيخوخة، أو المدرس الذي يغلق الباب على طالب صغير لا حيلة له.
ولا تزال بعض الأسر تنشغل بتحصين الفتاة وحدها، في حين يظن الكثيرون أن جسد الولد عصيّ على الأذى. رغم أن التقارير الحقوقية تؤكد أن الذكور، مثل الإناث، معرّضون للتحرش، لا سيما حين تغيب الرقابة أو يتلاشى الوعي.
أما الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، فمعاناتهم مضاعفة. هم الحلقة الأضعف في هذه السلسلة، أقل إدراكاً للخطر، وأقل قدرة على التعبير عما قد يتعرضون له من انتهاكات.
لهذا يصبح الحديث عن حماية الطفل لخصوصية جسده ضرورة لا تحتمل التأجيل. يبدأ ذلك من الأسرة، ويتعزز عبر تربية تراكمية، تُعلّم الطفل، منذ صغره، أن جسده ملك له وحده، وأن له الحق في قول «لا» لمن أراد اختراق حدوده.
فمفهوم «الحدود الآمنة» ينبغي أن يكون حجر الأساس. أن يُدرك الطفل الفرق بين اللمسة المألوفة وتلك التي تنذر بالخطر، بين النظرة العادية وتلك التي تثير القلق. ولا يتحقق ذلك في لحظة، بل عبر حوار دائم، دافئ، بين الطفل وأسرته، ينمو فيه شعور بالأمان والثقة، حتى لا يصمت الطفل تحت وطأة الخوف أو الذنب. فالصمت لا يُخفي الجريمة فحسب، بل يُعمّقها في نفس الطفل، ويبني جداراً يصعب تجاوزه. ولذلك فالحوار المفتوح يمكنه أن ينقذ الطفل من السقوط في فخ الصمت.
وتبلغ المأساة ذروتها حين يتعرض الطفل للتحرش ممن يخلط الحنان الزائف بمظاهر حب خادع، فيتوحد الطفل مع المعتدي، ويختلط عليه الأمر، حتى يُصدّق أن ما يحدث أمر طبيعي. يكبر والندم يلاحقه، قد يقول لنفسه: “كنت أستطيع أن أرفض، لكنني لم أعرف كيف!”.
الدراما هنا، ليست توثيقاً لحادثة عابرة، بل منصة لبناء وعي جماعي، ومسؤولية ثقيلة على صانعيها، توازي مسؤولية الأسرة والمجتمع. كما أن القصة الموجهة للصغار، ليست مجرد تسلية، بل وسيلة فعالة لبناء وعي الطفل تدريجياً، شأنها شأن المناهج التربوية التي ينبغي أن يشرف عليها مختصون، تُعلّم الطفل حماية حدوده النفسية والجسدية، وتدربه على قول «لا» في وجه الخطر، مهما كان مصدره.
ولا يقل دور الأخصائي الاجتماعي والنفسي أهمية، خاصة حين يكون المعتدي زميلاً أو طالباً أكبر سناً في المدرسة. فبعض الدراسات تشير إلى أن التحرش قد يحدث في المدرسة، ولا يجد من يلتقط إشارات الطفل في الوقت المناسب. هنا، يصبح الأخصائي خط الدفاع الأول، القادر على قراءة الصمت قبل أن يتحول إلى جرح غائر .
أما الإعلام، فمطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى أن يتعامل مع هذه القضايا بوعي ومسؤولية، خاصة مع تمدد الفضاء الإلكتروني، حيث بات التحرش رقميّاً أيضاً. تشير الأبحاث إلى تزايد استغلال الأطفال والمراهقين عبر الإنترنت، حيث يختبئ المعتدي خلف الشاشات، يُلوّح بالتهديد والابتزاز.
الأمان لا يعني فقط أن نبني جدراناً تحيط بأجساد أطفالنا، بل أن نمنحهم دروع الوعي، أن نمسك بأيديهم في عوالمهم الرقمية، ونعلمهم كيف يقولون «لا» حين تُهدَّد براءتهم، حتى لو كان التهديد خلف شاشة.
«لام شمسية» هو جرس إنذار. وأياً كانت ردود الأفعال، تبقى مثل هذه الأعمال الفنية فرصة لنسأل أنفسنا: هل نُعِدُّ أطفالنا بما يكفي ليحموا أنفسهم؟ هل نعي أن الحماية لا تبدأ خارج المنزل، بل في قلب الأسرة، في أول كلمة نقولها عن معنى الأمان وحدود الجسد؟
إن حماية الطفل ليست مهمة فردية، بل تكاتف أسري ومجتمعي وأخلاقي، يبدأ من البيت، ويكبر بوعي المدرسة، وبدعم إعلام مسؤول، ومنظومة قانونية تشريعية لا تترك للثغرات مكاناً.
فهل آن الأوان لمد جسور الثقة بيننا وبين أطفالنا، التي تفتح أمامهم دروب الأمان، قبل ان تسبقنا إليهم مخاوفهم وصمتهم ، وكي لا ينكسر شيء في داخلهم قد لا يُصلحه الزمن؟