لدغة عقرب

WhatsApp Image 2026 01 15 at 8.22.06 PM

لدغة عقرب

بقلم/ ريم أبو عيد-

كاتبة وروائية وسيناريست وعضو النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر
 
WhatsApp Image 2026 01 15 at 8.22.06 PM

 

 

– عليك بالشيخ سالم فكلمته مسموعة لدى الجميع 

– وهل تظن حقاً أن بإمكانه فعل أي شيء

– بكل تأكيد.. كما أن الحاج مسعود لن يتمكن من مرواغته بأي حال من الأحوال 

– على بركة الله.. سأذهب إليه غداً بمشيئة الله

– أراك على خير

سار إسماعيل بين المزارع بخطوات متثاقلة وهو لا يلوي على شيء حتى وصل إلى شجرة السنديان التي اعتاد أن يلجأ إليها وهو صغير كلما أهمه أمر من الأمور..  جلس على ألأرض وأسند ظهره إلى جذع الشجرة.. أغمض عينيه.. رآها أمامه.. لم يتغير بها أي شيء منذ أن فارقها من خمسة أعوام.. 

– أبي مصمم على تزويجي من طاهر ابن الحاج وهدان.. 

– وهل سترضخين بهذه االسهولة لرغبته؟ 

– ليتني أستطيع الرفض.. ليتني أستطيع أن أصارحه بأني أحبك.. ولكن مصارحتي إياه بأمر كهذا تعني موتي يا إسماعيل.. 

– هانت يا منيرة.. ثلاثة أشهر فقط وأنتهي من دراستي الجامعية وأتقدم للزواج منك.. أرجوكِ حاولي أن تؤجلي خطبتك من طاهر بأي طريقة..

– لا أستطيع يا إسماعيل.. لا أستطيع…

ودعته والدموع تملأ عينيها.. وودع هو أحلامه وهو يودعها.. لم يكن أول حلم له ينهار على أرض الواقع..  

كان يحلم منذ أن كان صغيراً أن يصبح طبيباً مشهوراً.. وكانت أمه دائما تناديه الدكتور إسماعيل.. حتى توفي أبوه وهو لا يزال في السنة النهائية من المرحلة الثانوية فكان عليه أن يتخلى عن حلمه من أجل أمه وأخواته البنات بعد أن أصبح العائل الوحيد لهن.. فالتحق بكلية التجارة وظل يتنقل من عمل متواضع إلى جانب الدراسة. 

بكت أمه كثيراً وهو مسافر إلى إحدى الدول الخليجية للعمل بعدما أنهى دراسته الجامعية..

– العبء ثقيل يا أمي.. ولن أتمكن من الحصول على وظيفة مناسبة هنا.. ما باليد حيلة.. السفر هو الحل الوحيد..

سافر إسماعيل تاركاً أمه وأخواته الثلاثة اللاتي تزوجن واحدة تلو الأخرى.. وكان عليه أن يعود.. 

– إسماعيل.. بحثت عنك في كل مكان.. تماماً كما توقعت أن أجدك هنا..

أفاق إسماعيل من شروده على صوت صابر صديق طفولته.. وانفرجت شفتاه عن ابتسامة بلا معنى وهو يسأله: – هل أرسلت إلى الشيخ سالم؟

– نعم وهو في انتظار زياتنا له غداً بعد المغرب..

– سأمر عليك قبل الموعد بنصف ساعة لنذهب سوياً..

– لا تنسى إحضار عقد ملكية الدار..

– وكيف لي أن أنساه إنه في جيبي منذ عودتي..

كان الحاج مسعود أحد أعيان القرية قد استولى على دار أم إسماعيل منذ عدة أشهر.. مما اضطر إسماعيل إلى العودة من أجل استردادها.. لم يكن الأمر سهلاً كما كان يتصور.. فالحاج مسعود شوكته قوية ويتمتع بحصانة برلمانية.. حتى أن البلاغات التي قدمها إسماعيل ضده في قسم الشرطة لم تجدِ نفعاً.. 

– السلام عليكم يا سيدنا.. هذا هو إسماعيل الذي حكيت لك عنه بالأمس.. وقد أتى إليك لكي تساعده.. فأنت الخير والبركة يا سيدنا.. ونحن على يقين بأنك إن حادثت الحاج مسعود بنفسك سوف يستمع إليك ولن يخذلك أبداً.. 

تنحنح الشيخ سالم وهو يحرك بأصعابه حبات مسبحته الطويلة.. ثم قال: – وهل لديك يا إسماعيل ما يثبت ملكيتك للدار؟

– نعم.. ها هو عقد الملكية باسم أمي..

أخرج إسماعيل العقد من جيبه وأعطاه للشيخ.. 

أخد الشيخ سالم ينفحص العقد ثم قال لإسماعيل: – “سأحتفظ بالعقد معي حتى أتمكن من مواجهة الحاج مسعود به..”

– “كما تشاء”.. قالها إسماعيل بيأس..

في تلك الأثناء دخل مبروك البقال مسرعاً إلى منزل الشيخ سالم.. وهو يحمل ابنه الصغير زينهم وهو فاقد الوعي.. وأم مبروك تصيح وتولول خارج الدار.. 

 – الحقنا يا سيدنا الشيخ.. زينهم لدغه عقرب.. ولن يسفعه غيرك..

 

وضع الشيخ سالم يده على المكان المصاب وتمتم بصوت خافت بكلمات لم يفهمها أحد من الحاضرين.. ثم مد يده لمبروك ببعض الأعشاب موصياً إياه أن يضمد بها ساق ابنه المصابة لمدة ثلاثة أيام..

أخد مبروك الأعشاب بيد مرتعشة وهو يقول للشيخ سالم في هلع: – ولكن الولد لا يزال فاقد الوعي يا سيدنا….”

نهره الشيخ سالم بصوت مرتفع وقال له: – “اذهب به الآن وافعل ما أمرتك به”

انصرف مبروك وهو يحوقل ويدعو الله أن يمن على ابنه بالشفاء..

استدار الشيخ سالم ببصره إلى إسماعيل الذي كان يراقب ما يجري في ذهول.. 

– “وأنت يا إسماعيل يمكنك المرور علي مرة أخرى بعد أربعة أيام.. حتى أكون قد تمكنت من مفاوضة الحاج مسعود واسترداد الدار منه”

ثم عاد لتحريك حبات مسبحته الطويلة بأصابعه في سرعة.. وهو يحرك شفتيه بنفس السرعة..

جذب صابر إسماعيل برفق من ذراعه وهو يقول: -“هيا بنا يا إسماعيل.. ولنعد مرة أخرى بعد أربعة أيام كما طلب منا سيدنا..” 

غادر إسماعيل منزل الشيخ سالم برفقة صابر.. وأخد ينكت الأرض وهو يسير بفرع شجرة يابس.. وقد استسلم لكل ما يدور من حوله..

ذهب إسماعيل إلى منزل الشيخ سالم في الموعد المحدد ولكن المنزل كان مغلقاً.. ظل واقفاً أمام باب المنزل ساعة كاملة دون أن يظهر الشيخ سالم.. سأل إسماعيل بعض المارة عن الشيخ سالم.. حتى أجابه أحدهم أنه قد انتقل إلى داره الجديدة التي تقع في الجهة الشرقية من القرية.. تلك الدار المجاورة لأرض الحاج مسعود.. 

تجمد إسماعيل في مكانه وهو يحدق في الرجل بنظرات ذاهلة.. وفي تلك الأثناء مر مبروك وبعض وأفراد أسرته بالقرب منهما وهم يحملون نعشاً صغيراً.. في الوقت الذي كانت فيه أم زينهم تسير خلف الجنازة وهي تولول..

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *