
ليلة القدر : الليلة المباركة و نفحة الرحمة الإلهية
بقلم / غادة جاد

ليلة القدر : الليلة المباركة و نفحة الرحمة الإلهية
بقلم / غادة جاد
إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ** (القدر: ١-٥).
ليلة القدر من أبرز الليالي المقدسة في الإسلام، إذ تحمل دلالات روحية وتاريخية عميقة. ذكرت في القرآن الكريم في سورة خاصة بها (سورة القدر)، وتوصف بأنها “خير من ألف شهر”. عبر العصور، تعددت التأويلات والاجتهادات حول طبيعتها وتوقيتها وأبعادها الروحية، مما يجعلها محورًا للتفكر والعبادة والبحث في الفكر الإسلامي.
بدأت أهمية ليلة القدر مع نزول الوحي، حيث أشار القرآن إلى أنها الليلة التي أُنزل فيها القرآن على النبي محمد ﷺ:
> *إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ* (القدر: ١-٥).
حدد النبي ﷺ أنها في العشر الأواخر من رمضان، وحث على تحريها بالعبادة، خاصة في الليالي الوترية (21، 23، 25، 27، 29). ومن أبرز السُنة المرتبطة بها الاعتكاف في المسجد، وإحياء الليل بالصلاة والذكر والدعاء.
و قد اختلف علماء الإسلام عبر التاريخ في تحديد ليلة القدر، فالفقهاء الأوائل مثل الإمام الشافعي رجح أنها الليلة الحادية والعشرون، بينما مال آخرون إلى السابعة والعشرين، استنادًا إلى روايات عن الصحابة. و قد لاحظ بعض المفسرين كالطبري وابن كثير أن إبهام موعدها مقصود لتحفيز المسلمين على الاجتهاد في العبادة طوال العشر الأواخر. تحدث فلاسفة مثل ابن سينا عن ارتباطها بتنظيم الأقدار، بينما ركز المتكلمون على توازنها بين القضاء الإلهي وحرية الإنسان.
في الفكر الصوفي، تجاوزت ليلة القدر الجانب الزمني إلى البعد الوجودي. رأى المتصوفة كابن عربي أنها رمز لـ “الولادة الروحية”، حيث يتجلى النور الإلهي في قلب المؤمن. أما الجنيد البغدادي فشبهها بـ “لقاء الحبيب”، حيث يُرفع الحجاب بين العبد وربه. كما ارتبطت بمفاهيم التوبة والتجديد الداخلي.
واليوم، تُحيى ليلة القدر عبر العالم الإسلامي بمظاهر متنوعة:
مثل ختم القرآن، وصلاة التراويح، والذكر،وكإقامة حلقات الذكر، والموائد الرمضانية، والدعوات الجماعية،فضلًا عن تشجيع الصدقات وإفطار الصائمين، تعبيرًا عن القيم المشتركة.
و من الأدعية المأثورة في تلك اليالي العظيمة : “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”.
ففي المملكة العربية السعودية يتوجه آلاف المصلين إلى المسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة المنورة لإحياء الليل بالصلاة وقراءة القرآن، خاصة في الليالي الوترية (27 رمضان غالبًا) و يُقبل الكثيرون على الاعتكاف في المساجد طوال العشر الأواخر، اقتداءً بسنة النبي ﷺ، كما تُنير المساجد والشوارع بالإضاءات الرمضانية، وتعكس أجواءً روحانية فريدة. أما في مصر، فتشهد المساجد الكبرى مثل الأزهر والحسين ازدحامًا كبيرًا، مع تخصيص ختمة قرآنية جماعية.
كما تُزيّن الشوارع بالفوانيس (المُحَيّا)، وتنتشر الأغاني الدينية ،و تكثُر موائد الإفطار الجماعية وتبادل الصدقات في هذه الليلة.أما في الإمارات العربية و دول الخليج فتجتمع العائلات حول موائد الطعام الخاصة، مثل الهريس واللقيمات، مع تبادل الدعوات، فضلا عن صلاة الجماعة في المساجد الكبرى و ووجود حلقات الذكر الجماعي و التقرب إلى الله. أما في بلدان المغرب العربي، فتقام صلاة خاصة في المساجد، مع تلاوة الأدعية المأثورة مثل دعاء “اللهم إنك عفوّ”.
و تُحضَّر أطباق تقليدية مثل “السَّلْعُو” و”الشباكية”، وتُضاء الشموع في المنازل. وفي بعض المدن، تُطلق مدافع رمزية (تُعرف محليًا بـ “النفخة”) إيذانًا بقدوم الليلة المباركة. أما سوريا وفلسطين ،ففي فلسطين، يتوجه المصلون إلى المسجد الأقصى، بينما تُحيط المساجد التاريخية في دمشق وحلب مثل الجامع الأموي بجوٍّ روحاني. وتُنظم حلقات الذكر والدعاء في الأحياء، مع تلاوة سورة القدر بشكل جماعي.و تنتشر حملات توزيع الوجبات على الفقراء والعمال.
أما في السودان ،فتركز العائلات على الدعاء المنزلي و الذكر الجماعي، حيث تُقام حلقات الذكر الصوفية (التيجان) مع استخدام الدفوف والإنشاد الديني. وتجتمع العائلات حول أطباق تقليدية مثل “الأسِيدَة” و”الملوخية”، مع تلاوة القرآن جماعة.
إذن فليلة القدر ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي رمز متجدد للرحمة الإلهية والانتصار الروحي. عبر القرون، حافظت على مكانتها كمنارة للتفكر والوحدة الإسلامية، رغم تنوع تفسيراتها. إنها تذكير بأن القيمة الحقيقية للزمن تكمن في كيفية استثماره في التقرب إلى الخالق، مما يجعلها جوهرًا خالدًا في الضمير الإسلامي.