ماتريوشكا.. حفريّة للذات والتاريخ : قراءة لرواية ماتريوشكا- أرواح من قطن للكاتبة الجزائرية عائشة بنور

WhatsApp Image 2026 01 02 at 12.46.12 PM

ماتريوشكا.. حفريّة للذات والتاريخ : قراءة لرواية ماتريوشكا- أرواح من قطن للكاتبة الجزائرية عائشة بنور

بقلم الناقدة/ فاتن محمد علي

WhatsApp Image 2026 01 02 at 12.47.45 PM

 

تنهض رواية «ماتريوشكا – أرواح من قطن» لعائشة بنّور على رمز مركزي لا يُستعار للزينة الدلالية، بل يُشيِّد المعمار العميق للنص فالماتريوشكا، بما تنطوي عليه من توالد وتداخل، تتحول إلى استعارة كاشفة عن الإنسان بوصفه طبقات متراكبة من الذاكرة والفقد والتاريخ والجراح المؤجلة. كل فتحٍ لا يقود إلى نهاية، بل إلى عمقٍ آخر، حيث تتوالد الصناديق: المومياء، الدمى، اللوحات، المدن، المتحف، والبحر، لتشير جميعها إلى صندوق أكبر هو الذات، ذات أنثوية تحديدًا، تحمل الذاكرة الشخصية والجمعية في آن. هنا يتقاطع الرمز مع «صندوق باندورا»، لا بوصفه لعنة أسطورية، بل بوصفه فعل مواجهة؛ فالفتح ليس فراغا، بل شجاعة النظر إلى ما تراكم وتوارى.


المكان في الرواية ليس خلفية محايدة، بل كائنًا حيًا يتنفس الذاكرة. تيبازة وقسنطينة والمدن المتربة والباردة والبحر والمتحف تتحول إلى أرشيف وجداني، تُستعاد فيه الأمكنة بوصفها أحوالًا نفسية لا مواقع جغرافية. المدينة القديمة تُقابل الذات الجريحة، والمدينة الحديثة تُجسِّد الاغتراب، والمتحف يصبح ساحة مواجهة مع تاريخٍ مسروق، بينما يظل البحر علامة الغياب الأكبر. بهذا التشكيل،المكان، إذن، ليس ثابتًا، بل يتحرك داخل الذاكرة، ويعيد إنتاج معناه مع كل استدعاء.

الزمن

 يشد النص قارئه بين زمنين متوازيين: زمن الحفريات حيث النبش والمساءلة، وزمن الوعي حيث التأمل وإعادة التسمية. 


الشخصيات في «ماتريوشكا» ليست مرسومة على مبدأ التطور الكلاسيكي، بل على مبدأ الطبقات:

كل شخصية تحمل داخلها تاريخًا أكبر منها.


 كلثوم – الشخصية المحورية

كلثوم ليست مجرد مركز سردي، بل وعاء للذاكرة الجمعية والفردية معًا.

 هي شخصية تتكوّن عبر التصدّع: تصدّع الهوية، والزواج، والانتماء. لا نراها في حالة اكتمال، بل في حالة تشكّل دائم، كأنها دمية ماتريوشكا تُفتح على أخرى دون نهاية.

وعيها ليس بطوليًا ولا ساذجًا، بل وعي مأزوم، علاقتها بالماضي ليست استعادة، بل مواجهة مؤلمة.

هي ابنة الذاكرة، لكنها أيضًا ضحيتها.

لهذا نجدها أوضح من غيرها؛ لأنها الشخصية التي تسمح للنص بأن يُفصح.

الأم (الموشومة الجبين)

ليست مجرد أم تقليدية، ولا صورة نمطية.

الوشم ليس زينة، بل علامة تاريخية وجسدية للانتماء القسري.

جسدها يحمل ما لم يُكتب في الوثائق: الماضى بكل قسوته

الأم تمثل الاستمرارية الصامتة، تلك التي تُعيد إنتاج الألم. 

 العم المكلوم – المجاهد الجزائري

العم ليس شخصية هامشية ولا رمزًا غامضًا بلا جذور، بل هو:

تجسيد للجيل الذي دفع الثمن ثم صمت.

مجاهد سابق، لكن نضاله لم يُنقذه من الكسر الداخلي.

كلمُه ليس ضعفًا، بل كظم تاريخي: تاريخ الثورة، الفقد، والخيانة اللاحقة للأحلام.

هو شاهد على تحوّل البطولة إلى عبء، وعلى انتقال الجزائر من حلم التحرير إلى ارتباك ما بعد الاستقلال.

 صمته أبلغ من الكلام، ووجوده في النص يوازن اندفاع كلثوم العاطفي ببرودة الذاكرة المجروحة. العم هنا ذاكرة جسدية، لا ذاكرة خطابية


 الأخت

شخصية ليست  ثانوية، لكنها في الحقيقة:

مرآة محتملة لكلثوم.

نموذج «الامتثال» والهدوء رغم فقدها لابنها في مقابل «التمرد»الذى نستشعره من كلثوم.

حضورها يطرح سؤالًا ضمنيًا:

 هل كان يمكن لكلثوم أن تكون هكذا؟

 خالد بن يحيى – فقدان الذاكرة

خالد شخصية تحب دون أن تتذكر، وتحضر دون أن تمتلك تاريخها، وكأن الرواية تضعه في مواجهة كلثوم: هي مثقلة بالذاكرة حدّ الألم، وهو محروم منها حدّ الفراغ. هذا التضاد لا يعمّق العلاقة بينهما فحسب، بل يكشف سؤال الرواية الأعمق:

هل النجاة في التذكّر أم في النسيان؟

وهل فقدان الذاكرة خلاص أم شكل آخر من أشكال الفقد؟

فقدانه الذاكرة لا يُقرأ كحالة فردية، بل كرمز:

نسيان الرجل = نسيان التاريخ الذكوري لمسؤوليته.

غيابه الذهني يقابله تحمّل المرأة لعبء التذكر.

زواجه من كلثوم لا يقوم على التوازن، بل على فراغ، يجعلها وحيدة حتى وهي متزوجة.

هو شخصية منسحبة من الذاكرة، بينما النص كله معنيّ باستعادتها.

تتجسد الذاكرة هنا عبر صوت أنثوي داخلي متشظٍّ، تمثله كلثوم بوصفها وعيًا سرديًا أكثر منها بطلة تقليدية. خطابها لا يتقدم عبر الحدث، بل عبر حوار داخلي مع «رفيقة الصمت»، صوتٍ مزدوج يكشف انقسامًا أنثويًا عميقًا بين ما يُعاش وما يُكتم وما يُؤجَّل خوفًا من الانهيار. الأنوثة في هذا النص ليست جسدًا أو علاقة عاطفية فحسب، بل حاملة للذاكرة: ذاكرة الحب والأب والاستعمار والمجاعة والخسارات الصغيرة والدمى الصامتة. إنها أنوثة تكتب الألم بوصفه أثرًا ممتدًا، لا واقعة عابرة.

ويكتسب البعد التاريخي والاستعماري حضوره من خلال استدعاء لوحة «المجاعة» لغوستاف غيوميه، بوصفه لحظة وعي نقدي حاد بالجرح الاستعماري. هذا الاستدعاء لا يعمل كتفصيل ثقافي، بل يفتح سؤالًا أخلاقيًا حول الفن الاستشراقي: هل كان شاهدًا أم متواطئًا؟ هل نقل المأساة أم استثمرها بصريًا؟حين تشرح كلثوم الوحة 

  ينفتح فيها النص على راهنه دون افتعال.

لا يُقرأ بوصفه توصيفًا جماليًا أو استعارة تاريخية مغلقة، بل بوصفه لغة إنسانية تتجاوز زمنها. هي لا تصف لوحة فقط، بل تستدعي مشهدًا جمعيًا:

 أجساد نحيلة، عيون متسعة، صمت يعلو على الصراخ… وهذا بالضبط ما يجعل القارئ المعاصر يرى غزة، لا لأن الرواية تقصدها، بل لأن الألم حين يبلغ هذا العمق يفقد جنسيته.

الأهم أن كلثوم لا تتكلم بلسان شاهدة محايدة، بل بلسان:

من تعرف الجوع كذاكرة،

ومن تفهم المجاعة كسياسة لا ككارثة طبيعية،

ومن ترى في الجسد المحاصر وثيقة اتهام.

هنا يتحول الفن داخل الرواية إلى شهادة أخلاقية.

 اللوحة تصبح وسيطًا، وكلثوم تصبح مترجمة للألم الإنساني، لا ناقدة فنية فقط. ولهذا يبدو صوتها وكأنه يخرج من غزة اليوم:

 ليس لأن النص راهني، بل لأن الظلم حين يتكرر، يعيد إنتاج صورته نفسها.

قراءة المجاعة بهذه الطريقة تجعل «باتريوشكا» رواية:

لا تُغلق على تاريخ الجزائر وحده،

ولا تُحبس داخل جغرافيا بعينها، بل تنتمي إلى أدب الذاكرة الجريحة، حيث فلسطين، والجزائر، وكل شعب محاصر، يتجاورون داخل اللوحة الواحدة.

 بذلك يتجاوز النص حدود السرد الذاتي ليقارب إشكالية تمثيل الألم، ويضع الذاكرة الفردية في تماس مباشر مع الذاكرة التاريخية المنهوبة.

لغة الرواية شعرية كثيفة، مشحونة بالصور، تميل إلى الجمل الطويلة والتكرار الدلالي والإيقاع التأملي، وهو اختيار أسلوبي ينسجم مع مناخ النص القائم على الاستبطان والحفر. غير أن هذا الميل، في بعض المواضع، يطغى على الفعل السردي، فتتحول الفقرة إلى نشيد داخلي أكثر منها مشهدًا ديناميكيًا، بما قد يخفف من التوتر الحكائي لصالح التأمل.

في محصلتها، تقدم «ماتريوشكا – أرواح من قطن» مشروعًا روائيًا واضح الرؤية، يتكئ على رمز مركزي ذكي وموظف بوعي، ويكشف حساسية عالية في مقاربة الذاكرة والفقد، مع قدرة لافتة على الربط بين الذاتي والجمعي، بين المرأة والوطن، بلغة ذات بصمة خاصة لا تشبه السائد. ومع ذلك، فإن الإفراط الوصفي وتكرار بعض الأفكار الجوهرية بصيغ متعددة دون تطور دلالي جديد، إضافة إلى محدودية تمايز بعض الشخصيات الثانوية، يجعل النص أقرب إلى كتابة تأملية طويلة منها إلى رواية حدثية، وهو خيار جمالي واعٍ قد يربك قارئًا يبحث عن حبكة تقليدية.

تبقى الرواية، في جوهرها، كتابة في الذاكرة ومن الذاكرة، نصًا ينحاز للأسئلة على حساب الأجوبة، وللعمق على حساب السهولة، ويطالب قارئه بالإنصات لا بالاستهلاك. إنها رواية امرأة تنبش ذاتها كما يُنبش الأثر: بحذر، وخوف، وشغف، مدركة أن كل طبقة تُزال لا تكشف نهاية، بل بداية جديدة للأسئلة.

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *