ما بين التيه والرحيل
بقلم /ريم أبو عيد- كاتبة وروائية وسيناريست وعضو اتحاد كتاب مصر
هذه ليست المرة الأولى التي أحاول فيها أن أكتب لك، أعلم أن الأمر يبدو غريبا بعض الشيء أن ألجأ إلى الكتابة إليك الآن. أتذكر كم من مرة دار حديث بيننا عما كنت أعانيه وما كان يعتريني من شعور بالوحدة يؤرق صفو قلبي ويقض مضاجع أفكاري كل يوم وليلة، وكم من مرة وعدتني بأنك سترأب هذا الصدع الذي يزداد اتساعا بداخلي، وتلك الندوب التي كان يخلفها غيابك شبه المستمر عني والذي كان ينهش في روحي ويقتات على أعصابي بمنتهى القسوة، فكان رحيلي عنك هو السبيل للوحيد للخلاص من كل ذلك الوجع.
أنا لا أحاول تبرير فعلتي التي فعلت بكتابتي هذه السطور ولا العدول عنها، ولكنني أحاول أن أضمد جراح قلبي، وأن ألملم شتات روحي التي بعثرتها بسخاء هنا وهناك فوق دروبك الوعرة.
يالسذاجة قلبي الذي كان يظن أنه كلما أجزل إليك العطاء ستبادله عطاء بعطاء، ويالتقلباتك العاصفة التي كانت من أقصى الحنان لأقصى اللامبالاة. حتى أن أعصابي لم تتحمل كل هذا الكم من التناقض، وكل هذا العبء من ما لا نهاية الانتظار.
أتدري ما معنى أن تبقى معلقا على مشجب التمني؟ أن تبقى واقفا بلا حراك على أرصفة الرجاء؟ أن يبقى انتظار اللاشيء هو ملاذك الوحيد وسط ركام أيامك؟ كنت أنتظر.. وأنتظر.. وأنتظر.. ولا شيء سوى رتابة الوقت وصخب الأفكار.
كنت أصارع البقاء على قيد وعد لا يجيء، أفتش بين عقارب الساعة عن تلك السويعات التي كانت تجمعنا ذات لقاء سعيد، وأطالع صفحة فنجان قهوتي الباردة وأقرأ فيها طالع علاقتنا العصي عن التفسير.
أشعر الآن برغبة عارمة في البكاء، ولكن من أين لسمائي بالمطر وقد أطلت مواسم الجدب من خلف غيوم خيبات أملي المتكررة.
كيف لذلك القلب الذي كان يخفق بقوة ألف فرسخ من اللهفة صار أصما هكذا؟ كيف بات الحنين مقفرا إلى هذا الحد؟
دعنى أخبرك يا من كنت حبيبي ذات زمان قريب، فلربما ستكون هذه هي المرة الأخيرة التي أتلو عليك فيها صلوات حزني الدفين، ذلك الحزن الذي حفره غدرك على جدران قلبي، ولتكن آخر صلواتي في محراب عينيك، وبعدها أتبرأ من قلبي ومني ومنك ومن كل شيء، أعود صافية كالنار، وقوية كالبرق.
بعدها أجدني من جديد، بعد زمن طويل من التيه بين قفارك، أجمع أجزائي مرة ثانية بعد ذلك التشظي الطويل، أرتب أوراقي وأعيد كل مفردة إلى قاموسها وكل فاصلة إلى مكانها، أضع نقطة كبيرة في آخر هذا السطر المتفرد في الحكاية كلها.
أيا حبيب العمر كله،
دعني أسكب ها هنا وللمرة الأخيرة كل ما أختزنه من ألم فالجرح ما زال مثخنا، وأنا ما زلت أحاول أن أجد سبيلا للنجاة.
حين أقف أمام مرآتي كل صباح أطالعني ولا أعرفني، من أنا؟ إنني امرأة ربما ما زلت تشبهنى في الملامح ولكنني لم أعد أنا. فمن أكون؟ حقا أصبحت لا أدري. باهت وجهي كلون أيامي الباهتات، منطفئة ضحكتي كشغفي الذي أطفأته يداك شيئا فشيئا دون أن أحس أو أشعر، وكأن الحياة كانت تنسحب من داخلي دون أن ألحظ، أو ربما لاحظت ولكنني تغافلت وغضضت الطرف عنها كما كنت أغضه عن أمور أخرى كثيرة.
هو خطأي أنا إذن منذ البداية، آن الأوان بأن أعترف بأنني كنت ساذجة جدا بقدر ما كنت صادقة جدا، فهل يجدي اعترافي الآن؟ أو يغير أي شيء؟ هل يخفف عني وطأة هذا الوجع الذي يتنامى كل ليلة بداخلي حتى أصبح غابات موحشة؟ هل يعيدني هذا الاعتراف إلى سيرتي الأولى؟ هل بإمكانه أن يصالحني على نفسي من جديد؟
نفسي التي صرت أتهرب منها ومن الحديث معها حتى لا تواجهني بحماقاتي التي ارتكبتها في حقها منذ أن تسللت إلى حياتي واحتللت قلبي الذي أقمت لك فيه وطنا وملاذا آمنا، أما أنت فقد ألقيت بي في صحراء التيه وأقمتها لي منفى.
يقولون أن الحب أعمى، تلك المقولة التي لم أكن أعيرها اهتماما من قبل، ربما لأن عقلي دوما كان يسبق قلبي، أو يجاوره ويسير معه في خط متواز. كنت دائما أحرص على أن أظل ممسكة بزمام الأمور، أن تظل هناك نقطة رجوع أعود إليها إذا لم أتمكن من الاستمرار في السير على درب من الأشواك، كان قلبي مبصرا مثلما عيناي.
ولم أدرك حقيقة تلك المقولة إلا حين أحببتك، فلم يعد قلبي يبصر سواك، فيالحماقة قلبي.
الغريب في الأمر أنني حين التقيتك لأول مرة لم أكترث كثيرا لذلك اللقاء، ولم يدر في خلدي بأنني سألتقيك مجددا، بالنسبة لي كان لقاء عابرا كغيره من اللقاءات التي تفرضها الصدفة أحيانا، ولكن ما حدث عكس ذلك تماما وكأن ثمة قدر يدبر لنا اللقاء تلو الآخر ويخط لنا ما لم يكن في حسبان أي منا ويضعنا أمام حقيقة أذهلتنا، لم أكن لأصدقها لولا أنني غرقت فيها حد الثمالة كما غرقت في بحار عشقك العاتية.
فيما مضى وقبل أن ألتقي بك كنت أظن أن الحب أيضا ككل شيء في الحياة يخضع للأسباب والمسببات، وأنه إذا انتفى سبب من الأسباب التي أدت إليه سهل التخلص من شوائبه العالقة في القلب، ولكن خاب ظني تماما حين جمع الحب بيني وبينك، حينها أدركت أن هناك حب من نوع آخر لا يخضع للأسباب، بل قد تكون كل الأسباب ضده وبالرغم من ذلك يهزمها جميعا وينتصر، إنه ذلك الحب الذي يجمع بين روحين خلق كل منهما للآخر، روحان كانا معا منذ قديم الأزل في ذلك العالم البرزخي البعيد، وليست كل الأرواح تحظى بهذه العطية الفريدة في حياتنا الدنيا وإنما فئة قليلة منها فقط، ومن قدر لهما الله أن يلتقيا من جديد في هذه الحياة فقد اختصهما دون غيرهما بسر عظيم من أسراره.
نعم.. أحسست معك بأنك الروح التي كانت تسكن روحي منذ أن جئت إلى هذه الحياة، شعور لم أختبره من قبل في حياتي كلها وأنا التي تعاملت مع شتى صنوف البشر، ولا أنكر أني حاولت مقاومة ذلك الشعور بل والفرار منه قدر إمكاني، ولكن لا يجدي مع القدر الفرار كما قال نزار قباني في إحدى قصائده الشهيرة، كما أنك أيضا كنت تحاصرني من كل جانب بحبك واهتمامك وتغدقهما علي طيلة الوقت حتى تملكت مني القلب وملكت مني الروح.
كان اليقين يغمرني في كل لحظة تمر علينا معا، يقين لم أعرف معناه قط إلا عندما عرفت الحب معك.
وكم أصبحت أخشى الآن أن يتحول ذلك اليقين الذي كان يملأني إلى رماد تذروه الرياح. رياح عاتية اقتلعت جذور الأمان من أعماقي وتركتني أرتعد من شدة الخوف ومن قهر الخذلان.
وآه لو تدر يا حبيب الروح ما فعله بي خذلانك المتكرر، لقد أماتني في كل يوم مائة عام.
أنا لا أكتب إليك الآن حنينا ولا حتى صراخا وبكاء، لقد همد كل شيء في داخلى بعد أن لفظ أنفاسه الأخيرة بين يدي إهمالك وتجاهلك. كنت تراني أغرق شيئا فشيئا في غيابت جب سحيق حالك الوحشة ولكنك لم تمد لي يدا لإخراجي منه، بل آثرت السلامة، سلامتك بالطبع.
كنت مفرطا في الأنانية يا حبيبي بقدر ما كنت أنا مفرطة في العطاء، ويشهد الله بأنني أحببتك بكل ما في كياني من حب، وبكل ما في الحب من معاني، وبأنني كنت الزوجة والحبيبة والصديقة والأخت والأم أيضا، أعطيتك كل شيء بلا شرط أو حساب، تفانيت في إرضائك، حفظتك في غيابك قبل حضورك، تنازلت عن كل شيء من أجلك، بعت الدنيا بأكملها كي أشتريك، ساندتك بلا حدود، احتويتك وكنت لك وطنا وسكنا. همت فيك عشقا. كنت سرك وسترك، كنت راحتك بعد رحلة طويلة جدا من العناء، ولكن يبدو لي أن كل ذلك لم يكن كافيا أو ربما كان زائدا عن الحد. أعطيت وأعطيت.. حتى فرغت تماما من كل شيء، ولم أجد سبيلا للخلاص في النهاية سوى الرحيل.
