مدن حبلى بالحنين اشتاقها وتشتاقني

WhatsApp Image 2026 02 13 at 11.25.59 AM

مدن حبلى بالحنين اشتاقها وتشتاقني

بقلم الدكتورة / بلسم القارح – السودان

WhatsApp Image 2026 02 13 at 11.29.57 AM


أنا بلسم، وحين أطوف بأسماء مدن بلادي الحبيبة، أرى في كل اسم وجهًا مألوفًا، وصوتًا يهمس في داخلي، يحكي لي عن جذوري وعن نفسي. أشعر أن قلبي يسافر مع كل حجر، وكل شارع، وكل أصوات قديمة لم تمحها الأيام. هذه المدن ليست مجرد أماكن على الخريطة، بل وجوه أحبّها، وأصوات حاضرة ما زالت تهمس لي في الذاكرة: سنّار، الفاشر، نيالا، الأبيض، كادقلي، بربر، وسواكن… كل اسم يفتح نافذة على زمن كنت فيه أقرب إلى نفسي وجذوري، وشكّلت مع الحكايات، والأغاني، وصور التاريخ، جزءًا من روحي ووعيّ.
كل مدينة من هذه المدن لم تكن يومًا مجرد مكان، بل كانت تجربة حياة كاملة. سنّار، بالنسبة لي، ليست مجرد عاصمة سلطنة الفونج، بل لحظة ميلاد لهويتي السودانية الجامعة؛ مكان جمعت فيه الإرث والروح، ومهما اندثرت معالمها، أجد فيها جذورًا صلبة لا أستطيع نسيانها.
وفي دارفور، أحس بالفاشر ونيالا كأنهما يحدّثانني عن قصص القوة والتنوع والتلاقي بين الناس. هناك، كل حجر يهمس لي بحكاية، وكل شارع يذكّرني بصمود الإنسان، وتعايشه مع الزمن، ومع التحديات، ومع بعضه البعض. لا أستطيع أن أفصل التاريخ عن الناس الذين عاشوا فيه، ولا الماضي عن شعوري الحاضر.
الأبيض وكادقلي… أحب أن أراهما كنموذج للمدن التي كانت دائمًا في قلب حياتنا. الأبيض، مدينة التجارة والمعرفة والمقاومة، تشبه قلبي حين أبحث عن الشجاعة. وكادقلي، بجمال جبالها وتساؤلاتها المفتوحة، تجعلني أتساءل عن حكمة الزمن، وعن المكان الذي نحتله نحن كبشر في التاريخ.
وعلى النيل والبحر، أحب بربر وسواكن كأنهما قصائد مكتوبة بالحجر والماء. بربر بأسواقها القديمة وعمقها المروي يربطني بماضي حضارة لا أستطيع أن أنساه. وسواكن، بمينائها وعمارتها المرجانية، تجعل قلبي يسبح في رحلات الماضي، الحجّ، التجارة، والهجرات. كلما تخيلت سواكن، أشعر بأن البحر يحفظ أسرارنا، وأن المدينة تنتظر من يسمعها.
ما يدهشني دومًا هو أن هذه المدن، رغم كل الإهمال والحروب والتغييرات القاسية، لم تغب عن وجداني. أجدها حاضرة في الأغاني التي أسمعها، في الشعر الذي أقرأه، في ذكرياتي الشخصية والجماعية. بالنسبة لي، تتحول المدينة في الفن من مكان إلى إحساس؛ إحساس بالحنين، بالهوية، وبالوعد بالعودة. الفن هو الوسيلة التي لم تسمح لي بنسيانها حين عجز الحجر عن حماية نفسه.
ذكرياتي عن هذه المدن القديمة هو حنين لعلاقتي بنفسي، بمحلي، بوطني. هو تطلعي لخلق مستقبلاً ذا ذاكرة، يعرف ذاته، وقادر على حكي قصته بصوته الحقيقي الواثق.

مقالات أخرى

رحلة معرفة وعلم وعمل

بقلم الأستاذة الدكتورة/ رضوى إبراهيم

تفاهاتي

بقلم الأديبة المصرية/ هناء سليمان

علاقة مميزة

بقلم الأديبة المصرية/ نهى عصام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *