
مصر المؤمنة: أنشودة الحب والروحانية : تحليل لقصيدة نظمت في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم
بقلم الدكتورة/ بلسم عبد الحميد احمد القارح
مدير مكتب الأثارالاقليمي -البحر الأحمر
مدير متحف البحر الأحمر للآثار والتراث- السودان

الشيخ البرعي هو شاعر صوفي سوداني بارز عُرف بحبه للنبي صلى الله عليه وسلم وأولياء الله الصالحين. اشتهر بقصائده التي تمزج بين الروحانية والحب الإلهي وخص مصر بمكانة خاصة في أشعاره معتبرًا إياها مركزًا روحيًا هامًا في التاريخ الإسلامي.
تُعد قصيدة مصر المؤمنة بأهل الله من أبرز القصائد التي تحمل طابعًا روحانيًا وعاطفيًا في آنٍ واحد بدأها الشاعر ببعض المواعظ موجهًا بها الإنسان إلى التأمل في حال الدنيا قبل أن ينتقل إلى مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأسلوب يفيض بالمحبة والولاء. ثم يأخذنا إلى جزء فريد من نوعه حيث يسرد أسماء أولياء الله الصالحين الذين دفنوا في مصر مُبرزًا مكانتهم في الذاكرة الإسلامية وأثرهم الروحي.
ومن أهم السمات المميزة لهذه القصيدة هو اعتمادها على كلمة “أربعة في نهاية معظم الأبيات مما أضفى عليها إيقاعًا متوازنًا وأسلوبًا مشوقًا يجعل المستمع أو القارئ يحاول معرفة ما المقصود بإشارات الشاعر فعلى سبيل المثال يقول:
ندعوك بالكتب الأربعة والسور المائة والعشرة وأربعة زيل مرض الجسم بطبائعه الأربعة
هذه الصياغة ليست مجرد تلاعب لفظي بل تعكس رمزية عددية ذات دلالات دينية وصوفية حيث ترتبط الأربعة بالكتب السماوية والعناصر الأربعة في الطب والطبائع الأربعة في الإنسان مما يضفي على القصيدة عمقًا فكريًا وروحانيًا. ويرجوه أيضًا أن يحشر مع أربعة ويحفظ من أربعة والأربع الأول هم الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا طبعا أما الأربع الأخر فقد عنى بهم النفس الأمارة والهوى والدنيا والشيطان .
ربما جاءت هذه القصيدة انعكاسًا لتجربة شخصية للشيخ البرعي حيث يُروى أنه بعد زيارته لمصر والتقاءه بمشايخها عاد إلى السودان وعندما ألم به داء عضال تطلب إجراء عملية جراحية كان ذكر مشايخ مصر عالقًا في ذهنه وكان يتمنى من الله وبجاههم أن يُشفى من علته ، وبعد فترة شفي الشيخ البرعي دون الحاجة إلى الجراحة مما زاد من ارتباطه الروحي والعاطفي بمصر وأولياء الله الصالحين فيها وأدى ذلك إلى إلهامه بنظم هذه الأبيات التي أصبحت جزءًا من التراث الشعري الصوفي السوداني.
وفي ختام قصيدته، لم ينسَ الشاعر أن يضمن دعواته لنفسه وللناس جميعًا، متضرعًا إلى الله بالمغفرة والرحمة، طالبًا البركة والهداية لكل من سلك طريق الحق. ومن هنا، تتجاوز القصيدة كونها مجرد سرد للأسماء أو استعراضًا للمقامات؛ فهي انعكاس لوجدان صوفي محب، يرى في مصر أرضًا حاضنة لأهل الله وأصحاب القلوب النقية، ويتجلى فيها التقدير العميق للمكانة الروحية للمشايخ.
يأتي هذا المقال ليسلط الضوء على جماليات القصيدة وأبعادها الأدبية والروحية بعيدًا عن أي تأويل خارج إطارها الفني. فهو محاولة لفهمها من منظور أدبي وتاريخي، واستكشاف معانيها العميقة التي تعكس روح التصوف وثراء التراث الشعري كما يسعى إلى إبراز الرموز والدلالات التي قد تفتح آفاقًا جديدة للتأمل والتقدير لدى القراء والمهتمين بهذا النوع من الشعر.