
مكة المكرمة : بقعة النور الإلهي وقلب العالم الإسلامي
تقديم دكتورة/ هيفاء فقيه



” يا مهجةَ الأرضِ يا ريحانةَ العُمرُ
حبيبتي أنت في حِليِّ وفي سفري
كم بِتُّ أرسمُ أحلامي مطرَّزةً
إليك بالشوق والتذكارِ والسَّهرِ
يا خير أمِّ رعَى الرحمنُ مولدَها
ومنيةَ العاشقينِ: السَّمعِ والبَصرِ
طهورُها الحُبُ والإيمانُ حلَّتُها
وعقدُها دررُ الآياتِ والسُّوَر “
إنها مكة المكرمة أقدس مدن الإسلام، ومهبط الوحي وأطهر بقاع الأرض، وأهم محطة في التاريخ الديني والإنساني. تضم مكة المكرمة المدينة كنوزًا أثرية تعود إلى آلاف السنين، مما يجعلها جسرًا بين الماضي والحاضر.
لمكة المكرمة الكثير من الأسماء التي وردت في القرآن الكريم والأحاديث النبوية والمصادر التاريخية والأدبية، ومن أشهرها
١. مكة
الاسم الأشهر، ذكر في القرآن: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ . (الفتح: (24).
٢. بكة
ورد في القرآن: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي ببكة مباركًا و هدى للعالمين) (آل عمران : (96). يُعتقد أن “بكة” تشير إلى موضع الكعبة، بينما “مكة” تشمل المنطقة كاملة.
٣. أم القرى
أي “أصل المدن”، ورد في القرآن: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) (الأنعام: (92).
٤. الْبَلَدُ الْأَمِينُ
أي “المدينة الآمنة”، ورد في القرآن: (والتين والزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِين. )3-1( سورة التين)
٥. الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ
نسبة إلى المسجد المحيط بالكعبة: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (الإسراء: (1).
٦. الْحَرَمُ
يشير إلى حرمة المكان وقدسيته، مثل: “حرم مكة”. .
“وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ۚ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُجْبَىٰٓ إِلَيْهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَىْءٍۢ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ” القصص 57)
٧ مُعَاذُ
بمعنى “الملجأ”، ورد في حديث النبي ﷺ: «اللهم اجعل لآل محمد قوتًا في مَعَاذهِمْ» (يقصد بها مكة).
من الأسماء القديمة، ورد في بعض الروايات التاريخية.
٨. النَّاسَة
يعني “المكان الذي يُنسي هموم الدنيا” لشرفها.
تعود جذور مكة إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل، اللذين رفعا قواعد الكعبة المشرفة.
واشتهرت مكة ببئر زمزم الذي تفجر بمعجزة لسقاية هاجر وابنها إسماعيل. قبل الإسلام، كانت مكة مركزا تجاريًا ودينيا لجنوب الجزيرة العربية، حيث احتضنت الكعبة التي كانت مقصدًا للحجاج من القبائل العربية.
مع بزوغ فجر الإسلام في القرن السابع الميلادي، أصبحت مكة قلب الرسالة المحمدية، وشهدت تحولات كبرى بعد فتحها عام ٨هـ، حيث تحولت إلى رمز لوحدة المسلمين عبر العصور. شهدت مدينة مكة المكرمة توسعات تحت حكم الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والعثمانيين، وصولاً إلى العصر الحديث في العهد السعودي المجيد.
أما عن أهم المعالم الدينية و التاريخية في مكة المكرمة فتتمثل في الحرم المكي الشريف الذي يضم الكعبة المشرفة، الجوهرة الثمينة و الدرة المصونة، أقدس بناء إسلامي التي أُعيد بناؤها عدة مر ات أبرزها في عهد قريش قبل الإسلام، حيث شارك سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم في وضع الحجر الأسود في الركن الشرقي من الكعبة المشرفة. أما عن حجر إسماعيل (الحطيم) فيقع في منطقة نصف دائرية مجاورة للكعبة، يُعتقد أنها جزء من أساساتها الأصلية.
أما الصفا والمروة فهما جبلان صغيران أصبحا جزءًا من المسجد الحرام، وقد ارتبطتا برحلة هاجر بحثًا عن الماء، وهما الآن موقعان للسعي في مناسك الحج والعمرة.
أما بئر زمزم معجزة الماء المقدسة في مكة المكرمة، فهو من أبرز المعالم التاريخية والدينية في مكة المكرمة، ويرتبط وجودها بقصة إيمانية عميقة في التراث الإسلامي، فضلا عن كونها مصدرًا للماء المبارك الذي يشرب منه ملايين الحجاج والمعتمرين سنويا.
و لكن ماذا عن القصة التاريخية لبئر زمزم؟ وفق للقرآن الكريم والسنة النبوية، يرجع ظهور البئر إلى قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام وزوجته هاجر وابنهما الرضيع إسماعيل.
عندما ترك إبراهيم هاجر وإسماعيل في واد غير ذي زرع (مكة) ، نفد الماء، فبدأت هاجر تجري بين جبلي الصفا والمروة بحثًا عن مصدر للماء. وبمعجزة إلهية، تفجرت عين ماء تحت قدمي إسماعيل،
لتصبح”زمزم”، والتي سميت بهذا الاسم بسبب كلمة “زمي” التي قيلت لوقف تدفق الماء. يقع البئر داخل الحرم المكي، على بعد ٢٠ مترًا شرقي الكعبة المشرفة، وتحديدًا في منطقة الطواف. يبلغ عمق البئر حوالي ٣٠ مترًا، وتقدر دراسات جيولوجية عمرها بأكثر من ٤٠٠٠ عام.
تنتج البئر ما يقارب ١٨،٥ لتر / الثانية، ويتم ضخ المياه عبر أنظمة حديثة لتخزينها في خزانات بسعة ١٠،٠٠٠ متر مكعب لتوزيعها على الحجاج.
ذكر رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أن ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم ، وأن شربه بنية الخير يحقق البركة. يستحب للحجاج والمعتمرين الشرب من مائها والاغتسال به ، كما يُعتبر تقليدًا أن يحمل الزوار كميات منه إلى أوطانهم. ارتبطت البئر بمعجزة إعادة حفرها في عهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، عندما أعاد جده عبد المطلب تحديد موقعها بعد أن ظمرت قرونًا.
في العصر الإسلامي المبكر، اهتم الخلفاء الراشدون والأمويون بتنظيف البئر وتوسعتها. واليوم في عهد المملكة العربية السعودية الزاهر ، تُدار البئر عبر مؤسسة زمزم ، التي تعمل على تنقية المياه وضمان جودتها وفق معايير عالمية.وقد أظهرت دراسات أن ماء زمزم يحتوي على نسبة عالية من الكالسيوم والمغنيسيوم، مما قد يفسر طعمه المميز. تتميز مياه زمزم بخلوها من الطفيليات والبكتيريا الضارة رغم عدم معالجتها كيميائيا، وهو ما يعتبر إعجازًا علميًا.
و قد أنشأت المملكة العربية السعودية مركز أبحاث زمزم لدراسة خصائصها الفريدة، وتوثيق نتائج الأبحاث دوليًا.
مع تزايد أعداد الحجاج، تم تطوير أنظمة ضخ حديثة بالتحكم الآلي تعمل لتلبية الطلب المتزايد.
تجرى فحوصات دورية لضمان استدامة التدفق، حيث يعتقد أن البئر مرتبطة بشبكة من الفوالق الجيولوجية تغذيها.
لا تزال البئر رمزَا للرحمة الإلهية والتضامن الإنساني تذكيرًا بقصة هاجر التي تجسد الثقة في الله في أحلك الظروف. كما أنها تجسيد حي لاستمرارية المعجزة عبر آلاف السنين.
بئر زمزم لیست مجرد مصدر ماء ، بل هي جزء من الهوية الروحية لمكة. إن حفاظ المسلمين عليها عبر القرون يؤكد قدسية الترابط بين الإيمان والتاريخ، لتبقى نبعا لا ينضب للبركات.